ولو تأملتَ عظمة الخالق سبحانه لوجدتَ القمر في الليل ، والشمس في النهار ، ولكل منهما مهمة في حساب الأيام والشهور والسنين ، فالشمس لا تعرف بها إلا اليوم الذي أنت فيه ، حيث يبدأ اليوم بشروقها وينتهي بغروبها ، أما بالقمر فتستطيع حساب الأيام والشهور ؛ لأن الخالق سبحانه جعل فيه علامة ذاتية يتم الحساب على أساسها ، فهو في أول الشهر هلال ، ثم يكبر فيصير إلى تربيع أول ، ثم إلى تربيع ثان ، ثم إلى بدر ، ثم يأخذ في التناقص إلى أن يصل إلى المحاق آخر الشهر.
إذن: نستطيع أن نحدد اليوم بالشمس والشهور بالقمر ، ومن هنا تثبت مواقيت العبادة بالليل دون النهار ، فتثبت رؤية رمضان ليلاً أولاً ، ثم يثبت نهاراً ، فنقول: الليلة أول رمضان ، لذلك قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5]
فقوله: {وَقَدَّرَهُ..} [يونس: 5] أي: القمر ؛ لأن به تتبين أوائل الشهور ، وهو أدقّ نظام حسابي يُعتمد عليه حتى الآن عند علماء الفلك وعلماء البحار وغيرهم.
و {مَنَازِلَ..} [يونس: 5] هي البروج الاثنى عشر للقمر التي أقسم الله بها في قوله تعالى: {وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 1 - 3]
ولأن حياة الخَلْق لا تقوم إلا بحساب الزمن ، فقد جعل الخالق سبحانه في كَوْنه ضوابط تضبط لنا الزمن ، وهذه الضوابط لا تصلح لضبط الوقت إلا إذا كانت هي في نفسها منضبطة ، فمثلاً أنت لا تستطيع أن تضبط مواعيدك على ساعتك إذا كانت غير منضبطة (تُقدّم أو تُأخّر) .
لذلك يقول الخالق المبدع سبحانه عن ضوابط الوقت في كَوْنه: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5]
أي: بحساب دقيق لا يختلّ ، وطالما أن الخالق سبحانه خلقها بحساب فاجعلوها ضوابط لحساباتكم.