وقوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً..} [الإسراء: 12]
معنى التفصيل أن تجعل بَيْناً بين شيئين ، وتقول: فصلْتُ شيئاً عن شيء ، فالحق سبحانه فصَّل لنا كل ما يحتاج إلى تفصيل ، حتى لا يلتبس علينا الأمر في كل نواحي الحياة.
ومثال ذلك في الوضوء مثلاً يقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]
فأطلق غَسْل الوجه ؛ لأنه لا يختلف عليه أحد ، وحدَّد الأيدي إلى المرافق ، لأن الأيدي يُختلف في تحديدها ، فاليد قد تكون إلى الرُّسْغ ، أو إلى المرفق ، أو إلى الكتف ، لذلك حددها الله تعالى ، لأنه سبحانه يريدها على شكل مخصوص.
وكذلك في قوله تعالى: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة: 6]
فالرأس يناسبها المسْح لا الغَسْل ، والرِّجْلاَن كاليد لا بُدَّ أنْ تُحَدَّد. فإذا لم يوجد الماء أو تعذَّر استعماله شرع لنا سبحانه التيمم ، فقال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ..} [النساء: 43]
والتيمم يقوم مقام الوضوء ، من حيث هو استعداد للصلاة ولقاء الحق سبحانه وتعالى ، وقد يظن البعض أن الحكمة من الوضوء الطهارة والنظافة ، وكذلك التيمُّم ؛ لذلك يقترح بعضهم أن نُنظّف أنفسنا بالكولونيا مثلاً.
نقول: ليس المقصود بالوضوء أو التيمم الطهارة أو النظافة ، بل المراد الاستعداد للصلاة وإظهار الطاعة والانصياع لشرع الله تعالى ، وإلا كيف تتم الطهارة أو النظافة بالتراب؟
هذا الاستعداد للصلاة هو الذي جعل سيدنا علي زين العابدين رضي الله عنه يَصْفرّ وجهه عند الوضوء ، وعندما سُئِل عن ذلك قال: أتعلمون على مَنْ أنا مُقبل الآن؟
فللقاء الحق سبحانه وتعالى رهبة يجب أن يعمل لها المؤمن حساباً ، وأنْ يستعدّ للصلاة بما شرعه له ربه سبحانه وتعالى.