وإن كان لله أن يترك ما وعد السمك من العقاب ولا يكون ذلك خلفا ولا كذبا ، فسواء تركه بسبب شيء يحدثه الموعد ، أو بغير سبب منه لأن السبب إحسان جديد من الفاعل ، والإساءة في فطرة العقول لا تعود غير معقولة وقد فعلت.
بل قولهم هذا جهل بلسان العرب ، فإن العرب لا تعد الخلف إلي ترك إنجاز الوعد في الخير ، فأما ترك إنجاز الإيعاد فهو عندها كرم وتفضل لا خلف ولا كذب ، والقرآن نازل بلغتها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له ، ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار".
وقال الشاعر:
وإني إذا أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
والله أحق من تكرم على عبده ، فقد سمى نفسه كريما ، والكريم يعفو عن قدره ويتجاوز عن حقه.
وقد أمر الله بالتحفظ بالأيمان وقال رسوله الله ، صلى الله عليه وسلم:"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه".
وروي"وهو كفارته".
وقال ابن عباس:"من حلف على عبده"
أن يضربه فكفارته تركه ، ومع الكفارة حسنة"."
وقد وعد الله يونس ، صلى الله عليه وسلم ، أن يهلك قومه ، فآمنوا فلم يهلكهم فذهب مغاضبا ، فعاقبه الله بحبسه في الظلمات (1) حين رأى من ربه ما أعده خلفا (2) ، ولم يكن في الحقيقة إلا كرما وجودا.
وفي قوله - تبارك وتعالى - في أهل الأعراف: (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ(49 ) )
قطع لكل لبسة لمن تدبر في هذا المعنى.