وترك قتل ثعلبة مع ظهور نفاقه وقوله: {مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} (61) [الأحزاب:61] إمّا لكراهة تنفير قلوب [المسلمين] ووقوع الفتنة فيما بينهم كما روينا في حديث حذيفة حيث أرادوا الفتك به، وإمّا لأنّه لم يصرّح باسم ثعلبة ولم يعيّنه وهو لم يصرّ [على] صريح كفر بل كان يعتذر ويتضرّع.
وينبغي للمسلم الرّضا بالقسمة وترك الاختيار والتّسليم لله والوفاء بالعهود، فإنّ ثعلبة لو رضي باليسير من الرّزق وترك مطالبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بما يتمنّاه لما شغل عن الجمع والجماعات، ولو سلّم لله أمره ولم يسمّ الزّكاة أخيّة الجزية لما أعقبه الله في قلبه نفاقا، ولو وفى بعهده لما افتضح في الدّنيا والآخرة.
وفي الآية دلالة أنّ النّذر فيما قبل الملك يصحّ بالإضافة وأنّ النّذر بالقرب يلزم الإنسان ويجب الوفاء به إمّا بإتيان الملفوظ به بعينه وإمّا إتيان المعبّر عنه بالألفاظ المعدولة عن ظاهرها مثل قوله: عليّ أن أذبح ولدي، أو عليّ أن أصرف بثوبي حطيم الكعبة، أو ثوبي في رتاج الكعبة، أو قال الشّيخ الكبير: لله عليّ أن أصوم، أو لله عليّ أن أتصدّق بمالي.
وأما النّذر في [غير] المباح والمعصية فكفّارته كفّارة يمين. وقوله: عليّ عهد الله، وبرئت من عهد الله، يمين.
وفي الآية دلالة أنّ دفع صدقة الأموال الظّاهرة إلى الإمام، ولولا اشتهار ذلك بين الصّحابة لكان ثعلبة يدفعها إلى الفقراء ويريح نفسه من مذلّة الرّدّ.
وفيه دلالة أنّه كان يعرض على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء من بعده رياء وسمعة وقصدا لإزالة العار لا لوجه الله تعالى؛ لأنّ النّفاق الكامن في القلب يضادّ ابتغاء مرضاة الله.
78 - {سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ:} قول ثعلبة: هذه أخيّة الجزية.
79 - {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ:} قيل: إنّ عبد الرّحمن بن عوف كان عنده ثمانية آلاف دينار، فأمسك أربعة آلاف فجاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأربعة آلاف وقال: أقرضتها ربّي عزّ وجلّ وأمسكت مثلها لنفسي وعيالي، فقال له صلّى الله عليه وسلّم: بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت. وكان عند أبي عقيل الأنصاريّ صاعان من تمر فجاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بصاع وأمسك لنفسه صاعا، فقال المنافقون: أمّا عبد الرّحمن فأنفق على وجه الرّياء وأمّا عقيل فأنفق طمعا في الزّيادة والله غنّي عن صدقته، فأنزل.