ودلّ كتاب الله أنّ المستجير مستثنى من جملة المشركين، ويجوز له أن ينتهي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المسجد الحرام حتى يسمع كلام الله ثمّ يعود إلى مأمنه. أبو الزّبير عن جابر في هذه الآية {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ} إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الجزية.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية قال: قال المؤمنون: كنّا نصيب من متاجر المشركين، فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله عوضا لهم، قال الطحاوي: العوض هي الجزية المذكورة بعد هذه، وقال الفرّاء: العوض هو خصب تبالة وجرش أسلموا وحملوا طعامهم إلى مكّة.
(النّجس) : شيء مستقذر، وإذا (139 و) قرنت به الرّجس كسر النّون، قيل: رجس نجس.
{عَيْلَةً:} فقرا. ووجه تعليق الموعود بالمشيئة تصوّر موت كثير منهم قبل إنجاز الوعد وتصوّر فقر كثير منهم مع وجود الشّرط وهو خوف العيلة بسائر أسباب الفقر، وكلّ ذلك بتقدير الله.
29 - {قاتِلُوا الَّذِينَ:} عامّة في قتال أهل الكفر، وتقديرها: والذين لا يحرّمون، والذين لا يدينون. وقد خرج من عمومها النّساء والذّرّيّة والمشايخ غير ذي الرّأي والعميان والزّمنى والأساقفة والرّهابين الذين وقع الأمن من جهتهم. قال عليّ: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا بعث جيشا من المسلمين قال: انطلقوا بسم الله في سبيل الله، إلى أن قال: ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا شيخا كبيرا. وعن ابن عبّاس قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا بعث جيوشه قال:
اغزوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصّوامع. وكذا أوصى أبو بكر الصّدّيق إلى يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حين بعثهم إلى الشّام.
ويحتمل أنّ الآية خاصّة في المقاتلين دون من وقع الأمن من جهتهم، وإلى هذا أشار صلّى الله عليه وسلّم حين رأى امرأة مقتولة.
و (الجزية) : اسم المقضيّ عن الرّقاب. والظّاهر أن يكفّ عن قتالهم.
{حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ:} نقدا، إلاّ أنّ الدّلالة قامت على وجوب الكفّ بالالتزام على شرط اليسار.
{عَنْ يَدٍ:} عن نعمة منكم عليهم وذمّة منكم لهم. وقيل: عن قهر. وقيل: عن
نقد، كقوله في حديث الرّبا: (يدا بيد) .