كما أننا لا نقر الشيخ على هذا الاتهام البليغ لكعب ووهب ، ولا على رميهما بالكذب ، ولا على ادعاء عزوهما إلى التوراة وغيرها ما ليس فيها ، كما أنَّا لا نقره على اتهامه لعلماء الجرح والتعديل الذين طهَّروا لنا السُّنَّة ، وأزاحوا عنها ما لصق بها من الموضوعات ، وبيَّنوا لنا الصحيح والعليل منها والعدل والمجروح من رواتها ، حيث رماهم بالغفلة والاغترار ، وهم أهل هذا الفن الذي لا يصلح له إلا قليل من الناس ، ولا ندرى ما هذا الكذب الذي تبيَّن له من كعب ووهب وخفى على ابن تيمية وهو مَن نعلم علماً ومعرفة. وليت الشيخ - رحمه الله - بيَّن لنا ما يستند إليه فِي دعواه ، ولا أظن إلا أنه استند إلى ما جاء عن معاوية رضي الله عنه عندالبخارى فِي شأن كعب ، وهذا نصه كما فِي صحيح البخارى:
قال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهرى: أخبرنى حميد بن عبد الرحمن: أنه سمع معاوية يُحدِّث رهطاً من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار ، فقال:"إن كان من أصدق هؤلاء المحدِّثين الذين يحدِّثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلوا عليه الكذب".
نعم أظنه أن الشيخ - رحمه الله - اتهم كعباً وأضرابه بالكذب استناداً لهذا الأثر المروى عن معاوية ، والذي رجَّح لديَّ هذا الظن ما قاله الشيخ بعد كلامه السابق بقليل:"وقد عُلِم أن بعض الصحابة رووا عن أهل الكتاب حتى عن كعب الأحبار الذي روى البخارى عن معاوية أنه قال: إن كنا لنبلوا عليه الكذب.. ومنهم أبو هريرة وابن عباس".
وأرى أن الشيخ قد فَنَّد قول نفسه بنفسه حيث أثبت - كما هو الواقع - أن أبا هريرة وابن عباس وغيرهما من الصحابة أخذوا عن كعب ، وهل يُعقل أن صحابياً يأخذ علمه عن كذَّاب وضَّاع ، بعد ما عُرِف عن الصحابة من العدالة والتثبت فِي تحمل الأخبار ، خصوصاً ابن عباس الذي كان يتشدد فِي الرواية ويتأكد من صحة ما يُروَى له ؟