وقوله: {إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} محل الجملة كلها النصب على الحال من {الْكَلْبِ} ، والعامل فيها ما في المثل من معنى الفعل، كأنه قيل: يشبه الكلب ذليلًا دائم الذلة لاهثًا في الحالتين، يقال: لَهَثَ الكَلْبُ يلهَثُ بالفتح فيهما لَهْثًا ولُهاثًا، إذا أخرج لسانه من التعب والعطش.
ومعنى لَهْثِهِ في الحالتين: أنك إذا طردته وحملت عليه بالطرد نبح وولى هاربًا، وإن تركته شد عليك ونبح، فيتعب نفسه مقبلًا عليك ومدبرًا عنك، فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما: الكلب منقطع الفؤاد، يلهث إن حُمل عليه، أو لم يُحملْ عليه.
وقوله: {ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ} مبتدأ وخبر، والإِشارة إلى ما ذكر ووصف.
{سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ} (ساء) بمنزلة بئس، وفاعله مضمر، وهو من جنس المنصوب الذي هو {مَثَلًا} ، و {مَثَلًا} مفسر له، وفي الكلام تقدير حذف مضاف محذوف، وذلك المحذوف هو المخصوص بالذم، والتقدير: ساء المثل مثلًا مثلُ القوم، لا بد من هذا التقدير؛ لأن المخصوص بالذم لا يكون إلَّا من جنس فاعل بئس، والفاعل المثل، والقوم ليس من جنس المثل، فوجب أن يكون التقدير ما ذكرت، ثم حذف فاعل {سَاءَ} لدليل المفسر، والمضاف لعدم اللبس، وأقيم {الْقَوْمُ} مقامه، فهو كقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
وارتفاع {الْقَوْمُ} على أحد وجهين: إما على الابتداء وخبره ساء، أو على إضمار مبتدأ، أي: هو القوم.
فإن قلت: ساء متصرف أم لا؟ قلت: إن بقي على أصله فهو متصرف، نحو ساء يسوء سوءًا، لبقائه على أصل وضعه، وإن ضُمّن معنى الذم فهو غير متصرف، لخروجه عن أصل وضعه بالتضمين.