وقوله: {وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} قد جوز أن يكون معطوفًا على {كَذَّبُوا} فيدخل في حيِّز الصلة بمعنى: الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم. وأن يكون كلامًا منقطعًا عن الصلة بمعنى: وما ظلموا إلَّا أنفسهم، وتقديم المفعول به للاختصاص، كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدوها إلى غيرها، قاله الزمخشري.
{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ} (ذرأنا) : خلقنا،
{لِجَهَنَّمَ} من صلة {ذَرَأْنَا} ، و {مِنَ الْجِنِّ} في موضع الصفة لكثير، وكذا {لَهُمْ قُلُوبٌ} .
وقوله: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} أي: أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها، وهم لا يعقلون ما يصيرون إليه من العذاب.
{أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} : الكاملون في الغفلة.
{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) } :
قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (الحسنى) صفة للأسماء على إرادة الجماعة في الموصوف، ولذلك أنثت الصفة، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب.
وقوله: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ} قرئ: بضم الياء وكسر الحاء وماضيه أَلحد، ويعضده قوله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} ، وقول الشاعر:
239 -* ليس الإِمامُ بالشحيحِ المُلْحِد *
قال أبو علي: ولا تَكادُ تَسمعُ لاحِدًا.
وبفتح الياء والحاء، وماضيه لحد، وينصره: اللحد، وهما لغتان
بمعنًى، عن أبي الحسن وغيره، وأصله: العدول عن الاستقامة والانحراف عنها، ومنه اللحد الذي يحفُر في جانب القبر، خلاف الضريح الذي يحفر في وسطه.