{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون مرفوعًا بالابتداء، وخبره {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} .
والثاني: أن يكون منصوبًا بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر، أي: سنستدرج الذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم.
قيل: والاستدراج: استفعال من الدرجة، بمعنى الاستصعاد والاستنزال درجة بعد درجة، ومنه دَرَجَ الصبي، إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب: طواه شيئًا بعد شيء، ودرج القوم: مات بعضهم في إثر بعض.
ومعنى {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} : سنستدنيهم قليلًا قليلًا إلى ما يهلكهم، ولا نباغتهم كما يرتقي الراقي في الدرجة، فيتدرج شيئًا بعد شيء حتى يصل إلى العلو.
{وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {وَأُمْلِي} يحتمل أن يكون معطوفًا على نستدرجهم داخلًا في حكم السين، وأن يكون مستأنفًا، أي: وأنا أملي لهم.
والإِملاء: الإِمهال، يقال: أمليت له في غيّه، إذا أطلت، وأملى الله
له، أي: أمهله وطوَّل له. والمعنى: أطيل لهم المدة وأؤخرهم مَلاوةً من الدهر.
وقوله: {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي: شديد قوي، وأصله من المتن وهو اللحم الغليظ الذي عن جانب الصلب، وهما متنان.
قيل: وسماه كيدًا؛ لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان، وفي الحقيقة خذلان.
والجمهور على كسر إن على الاستئناف، وقرئ: بالفتح على تقدير: لأن كيدي متين.
{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} (ما) تحتمل أن تكون نافية على أن الكلام قد تم عند قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا} ، وفي الكلام حذفٌ تقديره: أو لم يتفكروا في قولهم وفيما يصدر منهم: شاعر مجنون، أو فيما أتاهم به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم ابتدأ فقال: {مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} أي: من جنون.
والجِنّة: الجنون، والاسم والمصدر على صورة واحدة، و {مِنْ} مزيدة، أي جِنَّةٌ.