قوله عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} (تأذن) تفعَّلَ من الإِيذان وهو الإِعلام، يقال: آذَنَ وأذَن وتأذَّن، بمعنى: أَعْلَمَ، وأُجْرِيَ هنا مجرى فِعْلِ القَسَم كعَلِمَ اللهُ، وشهِدَ الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ} على اليهود الذين وقع المسخ فيهم على ما فسر.
ومعنى {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ} : ليسلطن عليهم، كقوله تعالى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} .
وقوله: {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} من صلة {لَيَبْعَثَنَّ} .
{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا} (أممًا) يحتمل أن يكون مفعولًا ثانيًا لقطعنا، وأن يكون حالًا، وقد أوضحته عند قوله: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} .
وقوله: {مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ} ابتداء وخبر في موضع النعت لأممٍ، وقيل: هم الذين آمنوا منهم بالمدينة.
وقوله: {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} (دون ذلك) ظرف في موضع الرفع على أنه نعتٌ لموصوف محذوف تقديره ومعناه: ومنهم قوم أو ناس منحطون عن الصلاح وهم الذين كفروا. وقيل: هم مؤمنون لم يلحقوا بالصالحين، وصفهم بذلك قبل أن يكفروا. ونظيره: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} ، أي: وما منا أحد إلَّا له مقام معلوم.
ولك أن ترفع {دُونَ ذَلِكَ} على مذهب أبي الحسن بالابتداء، وإن كان منصوب اللفظ لتمكنه في الظرفية، ألا ترى أنك تقول: منا الصالحُ ومِنا الطالحُ، فترفع، ونظيره على مذهبه: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} فيمن نصبه وقد ذُكر ثَمَّ.