إذن فكل صفة من صفات الحق يتجلى ويظهر أثرها في المخلوق هبة من الله له ، فأنت إذا أردت أن تقف ، مثلاً ، لا تعرف ما هي العضلات التي تحركها لتقف ، ولكنك بمجرد إرادتك ان تقف تقف ، وذلك مظهر لإرادة الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون .
وما دمنا خلائف فلابد أن نتكامل ولا نتكرر ، بمعنى أن كل واحد فيه موهبة تنقص من الآخر ، وفي الأخر موهبة تنقص في غيره ، ليضطر كل مخلوق في الأرض أن يتعاون مع آخر ، ليأخذ ثمرة مواهب غيره ، ويعطي هو ثمرة مواهبه . ولا يريد الحق منا أن نعطي ثمرات المواهب تفضلاً ، وإنما يريد أن يجعلها حاجة . فأنت تحتاج إلى موهبة من لا موهبة لك فيه ، إنك تحتاج إلى الغير ، وهو كذلك أيضاً يحتاج إلى عملك .
وحين يستخلفنا الله تبارك وتعالى بهذه الصورة فبعضنا في ظاهر الأمر يكون أعلى من بعض ، لذلك يوضح سبحانه: أنا فضلت بعضكم على بعض ، لكني لم أفضل طائفة لأجعل طائفة مفضولاً عليها ، ولكن كلْ مفضل في شيء لأن له فيه مواهب ، ويكون مفضلا عليه في شيء آخر لا مواهب له فيه ، وهكذا يتساوى الناس جميعا .
إننا جميعاً عيال الله ، وليس أحد منا أولى بالله من أحد ؛ لأنه سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ؛ ولذلك إن حاولنا إحصاء المواهب في البشر وتوزيعها على الخلق جميعاً لوجدنا أن مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان آخر ، ولكن أنت تأخذ في موهبة ما تفوقاً ، وفي الموهبة الأخرى لا تجد نفسك قادراً عليها ، وفي موهبة ثالثة قد تقدر عليها لكنك لا تحبها ، واجمع الدرجات كلها في جميع المواهب ستجد أن كل إنسان يساوي الآخر ، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى .
{وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب ...} [الأنعام: 165]