قالوا إن المشركين كانوا يريدون من المؤمنين أن يرجعوا إلى دينهم الذي تركوه، وقالوا نتحمل وزركم ولا تتحملون آثاما، فالله رد قولهم بهذا، وما نحسب أن ذلك وقع، إن كان قد وقع، فالآية عامة لحقيقة رئيسة، و (الكسب) الفعل الذي يصدر عن شخص مؤمن بما يفعل، قد كسبته نفسه، وقام بها، ومعنى قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا) لَا تكسب أي نفس عملا إلا كانت مغبته ومآله عليها، تتحمل تبعته إن شرا، وتنال جزاءه إن كان خيرا وبذلك يكون النص محتملا الجزاء بنوعيه عقابا أو ثوابا.
ويصح أن الكسب هنا كسب الإثم، ويكون عليها بالعذاب، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ، أي لَا تحمل نفس وازرة وزر أخرى فكل امرئٍ بما كسب رهين، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى.
وإن جزاء الآخرة ثوابا وعقابا مبني على ذلك، فلا يحاسب امرؤ بجريمة غيره، ولا يلقى عن شخص جرم ليلحق إلى غيره، والله تعالى علام الغيوب، وكل يحمل كتابه.
ولكن في الدنيا عواقب للأعمال، قد تتعدى الفاعل، وقد قال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [التخريج] ، فإنه إذا عم الفساد وطم سيله، فسدت الجماعة وهلكت، ولا يكون أثره مقصورا على العصاة، بل يتعداه إلى غيرهم، كما قال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا(16) .