ثم بين سبحانه ردًّا على وثنية المشركين، فقال: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي ليس لكم أن تفاخروا باتباعكم إبراهيم، فما كان إبراهيم من المشركين، ما كان إبراهيم أبوكم وأبو الأنبياء ممن دخل في صفوف المشركين، بل أوَّابًا مؤمنا. وهذا كقوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفَا وَمَا كانَ مِنَ الْمُشْرِكينَ) ، وقال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) .
ولقد كانت ملة إبراهيم عليه السلام سمحة لَا ضيق فيها، ودين محمد عليه الصلاة والسلام دين سمح لَا حرج فيه. ولقد قال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) .
(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)
أمر الله تعالى نبيه بأن يقول قولة يكون بها كله لله تعالى ليس لأحد شيء في نفسه أو جارحته، أمره بأن يكون كله لله، وإنه لكذلك، وخاطب من معه من المؤمنين ليكونوا ربانيين، وأن يخاطب بذلك المشركين ليتخلفوا عن الشرك والأوهام والأهواء،
(إِنَّ صَلَاتِي) أي دعائي وضراعتي، وعباداتي، ومنها الصلاة المفروضة، والنفل والتهجد لله وحده ليس لأحد فيها شركة أو نصيب، بل هي لله وحده لَا شريك له (وَنُسُكِي) النسك العبادة، والنسك أيضا جمع نسيكة، وهي الذبيحة في أضحية أو حج أو عمرة، قال بعض المفسرين: إنها هنا بمعنى العبادة، فيكون الكلام من عطف العام على الخاص، وتكون كلمة الصلاة المقصودة؛ الصلاة: فرضها ونفعلها، والتهجد بها، وخصت بالذكر، لأنها عمود الدين ولبه، ولا دين من غير صلاة.