(الْأَصْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ) التَّوْبَةُ الصَّحِيحَةُ مَعَ مَا يَلْزَمُهَا مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ تُوجِبُ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ وَرَحْمَةَ الرَّبِّ الْغَفُورِ ، بِإِيجَابِهِ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ ، بِسُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ وَوَعْدِهِ فِي كِتَابِهِ ، لَا بِتَأْثِيرِ مُؤَثِّرٍ وَلَا إِيجَابِ مُوجِبٍ وَلَا مُحَابَاةِ شَافِعٍ ، وَالْآيَةُ 54 مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ نَصٌّ فِي هَذَا الْإِيجَابِ الشَّرْعِيِّ إِذْ قَالَ: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
وَأَمَّا إِيجَابُهَا بِمُقْتَضَى سُنَنِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ أَنَّ مَبْدَأَ التَّوْبَةِ شُعُورٌ بِالْأَلَمِ وَالِامْتِعَاضُ مِنَ الذَّنْبِ ، وَالْحَيَاءُ مِنَ اللهِ وَالْخَوْفُ مِنْ سُخْطِهِ وَعِقَابِهِ عَلَيْهِ ، وَلَوْمِ النَّفْسِ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ تَوْبِيخَ الضَّمِيرِ ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ بِسُنَّةِ الْفِطْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ تَرْكَهُ وَالْإِتْيَانَ بِعَمَلٍ يُضَادُّهُ وَيَذْهَبُ بِأَثَرِهِ مِنَ النَّفْسِ وَقَدْ عَرَّفَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى التَّوْبَةَ: بِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ عِلْمٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ ، فَالْعِلْمُ بِقُبْحِ الْمَعْصِيَةِ وَكَوْنِهَا سَبَبًا لِسُخْطِ اللهِ وَعَذَابِهِ يُوجِبُ الْحَالَ وَهُوَ أَلَمُ النَّفْسِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا . وَهَذَا الْحَالُ يُوجِبُ الْعَمَلَ الشَّامِلَ لِتَرْكِ الذَّنْبِ وَتَكْفِيرِهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مُضَادًّا لَهُ . وَيُرَاجَعُ تَفْسِيرُ الْآيَةِ (ص 375 وَمَا بَعْدَهَا ج 7 ط الْهَيْئَةِ) ثُمَّ تَفْسِيرُ الْآيَاتِ الَّتِي يَحِيلُ عَلَيْهَا فِي تَفْصِيلِ الْمَسْأَلَةِ .