ومن نفى أن يكون لهذا النظام العجيب مبدأ أصلا ونفى العلية والتأثير على الرغم من صريح ما تقضى به فطرته فقد أثبت عالما موجودا ثابتا لا يقبل النفى والانعدام من رأس أي هو واجب الثبوت وحافظ ثبوته ووجوده إما نفسه وليس لطرو الزوال والتغير إلى أجزائه ، وإما غيره فهو الله تبارك وتعالى ، وله نعوت كماله .
فتبين أن الله سبحانه لا يقبل النفى إصلا إلا بظاهر من القول من غير أن يكون له معنى معقول .
والملاك في ذلك كله أن الإنسان إنما يثبت الإله تعالى من جهة الحاجة العامة في العالم إلى من يقيم أود وجوده ويدبر أمر نظامه ثم يثبت خصوصيات وجوده فما أثبته من شيء لسد هذه الخلة ورفع تلك الحاجة فهو الله سبحانه ثم إذا أثبت إلها غيره أو أثبت كثرة فإما أن يكون قد أخطأ في تشخيص صفاته والحد في أسمائه ، أو يثبت له شريكا أو شركاء تعالى عن ذلك ، وأما نفيه وإثبات غيره فلا معنى له .
فظهر أن معنى قوله:"إلهين من دون الله"شريكين لله هما من غيره ، وإن سلم أن الكلمة لا تؤدى معنى الشركة بوجه ، قلنا: إن معناها لا يتعدى إتخاذ إلهين هما
من سنخ غير الله سبحانه وأما كون ذلك مقارنا لنفى الوهيته تعالى أو إثباتها فهو مسكوت عنه لا يدل عليه لفظ وإنما يعلم من خارج ، والنصارى لا ينفون الوهيته تعالى مع اتخاذهم المسيح وامه إلهين من دون الله سبحانه .
وربما استشكل بعضهم الآية بأن النصارى غير قائلين بألوهية مريم العذراء (عليه السلام) ، وذكروا في توجيهها وجوها .
لكن الذي يجب أن يتنبه عليه أن الآية إنما ذكرت اتخاذهم إياها إلهة ولم يذكر قولهم بأنها إلهة بمعنى التسمية ، واتخاذ الاله غير القول بالألوهية إلا من باب الالتزام ، واتخاذ الاله يصدق بالعبادة والخضوع العبودي قال تعالى:"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه" (الجاثية: 23) وهذا المعنى مأثور عن أسلاف النصارى مشهود في أخلافهم .