إن عيسى عليه السلام لم يبلغهم ولم يطلب منهم أن يتخذوه هو وأمه إلهين من دون الله ؛ لأن عيسى ابن مريم ، إنما يبلغ ما أُوحي إليه من ربه فقط ، ولهذا تأتي إجابة عيسى رداً على أي تزَيُّد من الأتباع: {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} وساعة نسمع {سُبْحَانَكَ} فلنعرف أنها إجمال التنزيه لله ، وهو تنزيه أن يشابهه خلق من خلق الله ، فلله وجود ، وللإنسان وجود ، ولكن إياك أيها الإنسان أن تقول: إن وجودي كوجود الله ؛ لأن وجود الله ذاتي ، ووجودك غير ذاتي وكل ما فيك موهوب لك من الله ؛ لذلك فلا غناك مثل غنى الله ، بل غناه ذاتي وغناك موهوب منه سبحانه ، ولا أي صفة من صفاتك كصفات الله ، فله سبحانه مطلق القدرة والقوة ، وعليك أن تأخذ كل شيء يتعلق بالله في نطاق"سبحانه""وليس كمثله شيء".
وكذلك يكون تنزيه عيسى لربه وخالقه: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} فعيسى ابن مريم يعلم أن الرسول المصطفى من الله ليس له أن يقول إنه إله . ويرد عيسى على ذلك بقضية متفق عليها: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} لأن الكل متفق على أن الله يعلم كل ما يبدر من العباد من سلوك وأقوال وأفعال {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِي الصدور} . والكل يعلم ارتفاع الحق وتنزهه عن أن يوجد له معلوم جديد لم يعلمه من قبل . والكل يعلم - كذلك - أن الله يعلم خفايا الصدور ؛ لذلك يقول عيسى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} ويقرر أن الحق العليم بكل شيء يعلم أن ذلك لم يخطر له على بال ، وهذه هي العلة في إيراد ثلاث صور في هذه الآية .