وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث الاشتقاق من السبح وهو الإبعاد في الأرض والذهاب ، ومن جهة النقل إلى صيغة التفعيل والعدول عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن وإقامته مقام المصدر مع الفعل ما لا يخفى.
وقوله سبحانه: {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ} استئناف مقرر للتنزيه ومبين للمنزه عنه.
وما الثانية سواء كانت موصولة أو نكرة موصوفة مفعول {أَقُولُ} والمراد بها على التقديرين القول المذكور أو ما يعمه وغيره ويدخل فيه القول المذكور دخولاً أولياً ، ونصب القول للمفردات نحو الجملة والكلام والشعر مما لا شك في صحته كنصبه الجمل الصريحة فلا حاجة إلى تفسير أقول بأذكر كما يتوهم.
واسم {لَّيْسَ} ضمير عائد إلى ما و {بِحَقّ} خبره ، والجار والمجرور فيما بينهما للتبيين فيتعلق بمحذوف كما في سقيا لك.
وإيثار ليس على الفعل المنفي على ما يحق لي لظهور دلالته على استمرار انتفاء الحقيقة وإفادة التأكيد بما في خبره من الباء المطرد زيادتها في خبر ليس.
ومعنى {مَا يَكُونُ لِى} أي لا ينبغي ولا يليق وهو أبلغ من لم أقله فلذا أوثر عليه: والمراد لا ينبغي أن أقول قولاً لا يحق لي قوله أصلاً في وقت من الأوقات ، وجوز أبو البقاء أن يكون {لِى} خبر ليس و {بِحَقّ} في موضع الحال من الضمير في الجار والعامل فيه ما فيه من معنى الاستقرار.
وأن يكون متعلقاً بفعل محذوف على أنه مفعول له والباء للسببية أي ما ليس يثبت لي بسبب حق.
وأن يكون خبر ليس و {لِى} صفة حق قدم عليه فصار حالاً ، وهذا مخرج على رأي من أجاز تقديم حال المجرور عليه ، وقيل: إن {لِى} متعلق بحق وهو الخبر.
وهو أيضاً مبني على قول بعض النحاة المجوز تقديم صلة المجرور على الجار.
والجمهور على عدم الجواز ولا فرق عندهم في المنع بين أن يكون الجار زائداً أو غيره.