إذ إنه لو كان قد حصل لعلمه الله تعالى، وما دام لم يعلمه، فهو لم يقع، ولا يمكن أن يقع؟ لأن الله لا يغيب عن علمه شيء فِي الأرض ولا فِي السماء، وفى هذا النص فوق دلالته على عدم الوقوع بأبلغ تعبير إثبات شمول علم الله تعالى، وإنه بكل شيء محيط، وقد زكى هذا المعنى الجليل بقوله: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك. ففى هذا النص إثبات قصور علم الإنسان بجوار علم الله تعالى، وإثبات أن علم الله تعالى شامل لمطويات القلوب، وعلم الإنسان مقصور على ما يظهر من الجوارح فالله يعلم ما يخفى فِي الصدور، والإنسان لا يعلم إلا ما هو ظاهر محسوس، أو ما يكشف عنه الظاهر المحسوس، فلا يعلم ما الخفى إلا ما يظهره الجلى، والنص يدل على نفى الألوهية من جهة ثالثة، لأن علم الله شامل لكل شيء لا يخفى عليه شيء فِي الأرض ولا فِي السماء، وعلم عيسى من النوع القاصر الذي لا يحيط إلا بالمحسوس أو ما ينبي عنه المحسوس، فهو نفى للألوهية من طريق العلم، ثم هو موازنة من جهة ثانية بين نفس الإنسان المكشوفة لخالقه، وذات الله تعالى التي لا يعلم البشر عنها إلا وحدانيتها، وما يعلمه للإنسان منها.
وقد أكد عيسى علم الله تعالى المحيط الذي يعلو عن الصفات البشر بقوله:
(إنك أنت علام الغيوب) أي إنك يا صاحب الجلالة تقدست أسماؤك تعلم الأمور المغيبة عن حسنا، والمكنونة فِي المستقبل علما دقيقا لا يخفى منه شيء عليك، ولذلك عبر بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة، وعلى الدقة وعلى الإحاطة
التامة الكاملة"وأنه"سبحانه وتعالى"يعلم ما بطن كعلمه بما"ظهر،"فإن ما أظهرا وما"بطن هو بالنسبة لنا نحن بنى الإنسان، وأما بالنسبة لله تعالى فإن الجميع مكشوف غير مستور.
وقد أكد علم الله تعالى للغيب بأربعة مؤكدات: أولها - ب"إن"المؤكدة.
ثانيها - بالضمير المؤكد فِي قوله تعالى: (أنت) .