5 -أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ... إلخ. أن الكفارة لا تكون إلا بعد الحنث لأن السبب في الكفارة هو الحنث، وما دام لم يتحقق فإنه لا كفارة.
وقال آخرون يجوز أن تتقدم الكفارة عند نية الحنث، وتقوم النية مقام الحنث بالفعل.
وقد تكلم عن هذه المسألة الإمام القرطبي فقال ما ملخصه: اختلف العلماء في تقديم الكفارة على الحنث أتجزئ أم لا على ثلاثة أقوال:
أحدها: يجزئ مطلقا وهو مذهب أربعة وعشرين من الصحابة، وجمهور الفقهاء، وهو مشهور مذهب مالك، فقد قال أبو موسى الأشعرى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وإنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير» رواه وأخرجه أبو داود.
ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة، لقوله - تعالى ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها. وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث.
وثانيها: قال أبو حنيفة وأصحابه لا يجزئ بوجه لما رواه مسلم عن عدى بن حاتم قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حلف يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير - زاد النسائي - وليكفر عن يمينه» .
ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هي لرفع الإثم، وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها. وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات.
وثالثها: قال الشافعى: تجزئ بالإطعام والعتق والكسوة ولا تجزئ بالصوم لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته. ويجزئ في غير ذلك تقديم الكفارة».
6 -أخذ العلماء من قوله - تعالى - وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ أن من الواجب على المؤمن أن يقلل من الأيمان فلا يلجأ إليها إلا عند الضرورة، وأن يحرص على أن يكون صادقا فيها حتى لا يحتاج إلى التكفير عنها وأن يبادر إلى التكفير عنها إذا كانت المصلحة تستدعى الحنث فيها، لما سبق أن ذكره القرطبي من حديث أبى موسى الأشعرى وحديث عدى بن حاتم.