مَا عَدَاهَا مِنَ الْمُسْكِرَاتِ لَا يَحْرُمُ مِنْهُ إِلَّا الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ بِالْفِعْلِ ، أَوِ الْحُسْوَةُ الْأَخِيرَةُ الَّتِي تَعْقُبُهَا نَشْوَةُ الْمُسْكِرِ ، وَأَوَّلُوا مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنَ النَّصِّ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ بِأَنَّ لَفْظَ الْمُسْكِرِ وَصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمِقْدَارَ الْمُسْكِرَ مِنَ الشَّرَابِ بِالْفِعْلِ هُوَ الْحَرَامُ وَقَدْ بَيَّنَّا رَدَّ هَذَا فِيمَا سَبَقَ ، وَأَنَّ لَفْظَ مُسْكِرٍ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ كُلَّ شَرَابٍ مِنْ شَأْنِهِ الْإِسْكَارُ ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مَقْرُونًا بِكُلٍّ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ"كَمَا تَقَدَّمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى كُلُّ مِقْدَارٍ مُسْكِرٍ بِالْفِعْلِ يُسَمَّى خَمْرًا ، كَمَا هُوَ بَدِيهِيٌّ عِنْدَ كُلِّ مَنْ لَهُ شَمَّةٌ مِنْ هَذِهِ اللُّغَةِ ، وَكَمَا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ ، لِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّنَاقُضِ أَيْضًا ، فَإِنَّ الْمِقْدَارَ الْمُسْكِرَ لِزَيْدٍ رُبَّمَا لَا يَكُونُ مُسْكِرًا لِعَمْرٍو ، وَلَا يَزَالُ بَعْضُ النَّاسِ يَبْحَثُ عَنْ بَعْضِ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ حَتَّى الضَّعِيفَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ لِيَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنَ الْمُسْكِرِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ، وَإِنْ كَانَتْ وَقَائِعَ أَحْوَالٍ لَا يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهَا وَيَجْعَلُ ذَلِكَ مَخْرَجًا عَلَى نَصِّ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَعَمَلِ أَهْلِ الدِّينِ مِنَ السَّلَفِ