أَمَّا الشُّبْهَةُ الَّتِي يُرَجِّحُ بِهِ الْعَالِمُونَ بِضَرَرِ الْخَمْرِ دَاعِيَتَيِ التَّقْلِيدِ وَمُوَاتَاةِ الْعُشَرَاءِ أَوَّلًا وَطَاعَةِ غُولِ الْخَمْرِ آخِرًا عَلَى دَاعِيَةِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى صِحَّةِ الْجِسْمِ وَالْعَقْلِ ، فَهِيَ ظَنُّهُ أَنَّ الضَّرَرَ الْمُتَيَقَّنَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْإِسْرَافِ فِي الشُّرْبِ ، وَالِانْهِمَاكِ فِي السُّكْرِ ، وَأَنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنَ الْخَمْرِ إِمَّا أَنْ يَنْفَعَ وَإِمَّا أَلَّا يَضُرَّ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ فِيهِ مِنْ لَذَّةِ النَّشْوَةِ وَالذُّهُولِ عَنِ الْمُكَدِّرَاتِ وَمِنْ مُجَامَلَةِ الْإِخْوَانِ ، لِتَوَهُّمِ ضَرَرٍ نَجَا مِنْهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، وَلَوْ سَأَلَ هَؤُلَاءِ الْمَخْدُوعُونَ مَنْ سَبَقَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْمِحْنَةِ وَأَسْرَفُوا فِي السُّكْرِ حَتَّى أَفْسَدَ عَلَيْهِمْ صِحَّتَهُمْ وَعِفَّتَهُمْ وَبَيْتَهُمْ وَثَرْوَتَهُمْ: هَلْ كُنْتُمْ يَوْمًا بَدَأْتُمْ بِشُرْبِ الْإِثْمِ تَنْوُونَ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَإِدْمَانِهِ ؟ لَأَجَابَهُمْ جَمِيعُ مَنْ سَأَلُوهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ لَا لَا ، وَإِنَّمَا كُنَّا نَنْوِي أَنْ نَشْرَبَ الْقَلِيلَ ، وَمَا كُنَّا لِنَعْلَمَ أَنَّ الْقَلِيلَ يَقْسِرُنَا عَلَى الْكَبِيرِ ، وَيَرْمِينَا بَعْدَ ذَلِكَ بِالدَّاءِ الْوَبِيلِ حَتَّى لَا نَجِدَ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ سَبِيلٍ; وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ فِي تَعَلُّلِ شُرْبِ بَعْضِ الْمُتَعَلِّمِينَ الْأَطِبَّاءِ لِلْخَمْرِ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّسَامُحِ وَالْأَخْذِ بِالظَّاهِرِ فَالْعِلْمُ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ .