قال أهل العلم من المفسرين وغيرهم: كان تحريم الخمر بتدريج ونوازل كثيرة لأنهم كانوا قد ألفوا شربها وحببها الشيطان إلى قلوبهم، فأول ما نزل في أمرها (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) فترك عند ذلك بعض من المسلمين شربها ولم يتركه آخرون.
ثم نزل قوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فتركها البعض أيضاً وقالوا لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها البعض في غير أوقات الصلاة حتى نزلت هذه الآية (إنما الخمر والميسر) فصارت حراماً عليهم حتى كان يقول بعضهم ما حرم الله شيئاً أشد من الخمر، وذلك لما فهموه من التشديد فيما تضمنته هذه الآية من الزواجر، وفيما جاءت به الأحاديث الصحيحة من الوعيد لشاربها وأنها من كبائر الذنوب.
وقد أجمع على ذلك المسلمون جميعاً لا شك فيه ولا شبهة، وأجمعوا أيضاً على تحريم بيعها والانتفاع بها ما دامت خمراً.
وكما دلت هذه الآية على تحريم الخمر دلت أيضاً على تحريم الميسر والأنصاب والأزلام، قال قتادة: الميسر هو القمار، وقال ابن عباس: كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، وعن علي بن أبي طالب قال: النرد والشطرنج من الميسر، وعنه قال: الشطرنج ميسر الأعاجم، وقال
قاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.
وعن ابن الزبير قال: يا أهل مكة بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها نردشير، والله يقول في كتابه: (إنما الخمر والميسر) الآية إلى قوله: (فهل أنتم منتهون) وإني أحلف بالله لا أوتي بأحد يلعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره وأعطيت سلبه من أتاني به.
عن أنس بن مالك قال: الشطرنج من النرد، وبلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم فاحرقها، وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد، وسئل أبو جعفر عنه فقال: تلك المجوسية فلا تلعبوا بها.