وليس لهذا الوفاق في نظر كل من ريشارد بيل (Richard Bell) وإبراهيم قيقر (Abraham Geiger) وكلير تيسدال (St. Clair Tisdall) سوى مظهر من مظاهر التأثير النصراني في الدين الجديد، وأمارة من أمارات التأثر القرآني بما ورد في الأناجيل المعتمدة، وقرينة على انتحال النبي محمد صلى الله عليه وسلم لما ورد في مصادر النصرانية ولاسيما وأن الإمكان التاريخي للتفاعل الديني والتأثر الفكري قائم؛ فقد علم أن النصارى كانوا موجودين في الجزيرة العربية، بل وفي مكة كما سنرى في المبحث القادم.
وبإعادة المقارنة بين النص القرآني والأناجيل الأربعة يظهر أن التناول القرآني للموضوعات النصرانية وزعته مقامات وسياقات مختلفة، تناولت مقاطع من قصة المسيح وظفتها لأغراض مختلفة، ولا تكاد تتفق اتفاقاً كاملاً مع إنجيل بعينه من الأناجيل المعتمدة؛ إذ توجد عناصر وفاق، كما توجد عناصر خلاف جديرة بالتنبيه ولا يمكن إغفالها، وردت في النص القرآني ولم ترد في الأناجيل الأربعة، ومن ذلك قصة أم المسيح مريم عليها السلام، وكلام عيسى في المهد، ونزول الإنجيل عليه، واستنصاره الحواريين ونصرتهم له، كما توجد عناصر ذكرتها الأناجيل ولم يذكرها القرآن الكريم، ومن ذلك مواعظه الكثيرة، وزوج أمه يوسف النجار، وقصة المجوس الذين ترقبوا مجيء المسيح، وخبر النجم الذي ظهر قبيل ميلاد المسيح، وقصة صلبه المزعوم، وهي كلها عناصر تعطي القصّة معنى جديداً، وتسد فراغاً موجوداً، وتقف عقبة أمام سؤال التأثير والتأثر.