هذا هو أدب الإسلام في دعوة غير أهله، ليعلمنا كيف ينبغي أن نختار عند الدعوة لأحد أحسن ما يدعى به، وكيف ننتقي ما يناسب ما نريد دعوته إليه: فدعاء الشخص بما يحب مما يلفته إليك، ويفتح لك سمعه وقلبه، ودعاؤه بما يكره يكون أول حائل يبعد بينك وبينه، وإذا كان هذا الأدب عاماً في كل تداع وتخاطب، فأحق الناس بمراعاته هم الدعاة إلى الله، والمبينون لدينه سواء دعوا المسلمين أو غير المسلمين.
بيانه لهم حجته عليهم:
كانت كتبهم مقصورة على أحبارهم ورهبانهم، مخفية عندهم لا تصل إليها أيدي عامتهم؛ فكانوا لا يظهرون منها إلاّ ما يشاءون، ولا تعرف عامتهم منها إلاّ ما أظهروا، فجاءهم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وهو أمي من أمة أمية، يبين لهم بما أنزله الله عليه، وأوحى إليه به، من آيات الله وحججه وأحكامه وكلمات رسله، فيما عندهم مما هو حجة عليهم مقداراً كثيراً، ويتجاوز عن كثير. فيما عندهم من ذكر قبائح أسلافهم وذمهم، وما لقي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من عنتهم (1) وشرهم وأذاهم.
فكان هذا البيان العليم وهذا الخلق الكريم من هذا النبي الأمي كافياً أن يعرفهم بنبوته وصدق دعوته ونهوض حجته؛ ولهذا ذكر الله هذا البيان وهذا التجاوز في أول صفاته، لما أخبرهم بمجيئه إليهم بقوله: {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} .
تمثيل:
في أول الإصحاح العشرين من سفر اللاوين التصريح برجم الزناة، فأبطل أحبارهم هذا الحكم وعوضوه بغيره من التخفيف، وكتموا النص؛ فبينه لهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - والقصة مشهورة في كتب السنن.