الطبيعة الذي توصلت إليه الإنسانية إلى الآن بطريقة أخلاقية تهذيبية وطيدة الأركان
ثابتة البنيان صافية من الشوائب مكملة من كل جانب، وأنها التعليم الذي ترتكز
عليه بغير إدراك جميع مظاهر الإنسانية العالية في السياسة والعلم والشعر والفلسفة.
أما إذا كان القارئ من تلك الفرقة القليلة التي لا تزال في كل يوم آخذة في
الاضمحلال وأعني بها أولئك المتمدنين الذين ما لبثوا مرتبطين بتعاليم الكنيسة
ويقبلون الدين لراحتهم الداخلية لا لغرض خارجي فإنني أرجو هذا القارئ أن يسائل
نفسه عن أعز الأمرين لديه: أراحته أم الحقيقة؟ فإن اختار الراحة سألته أن يقفل
هذا الكتاب، وأما إذا جنح إلى الحقيقة فإنني أسأله أن يعتبر تعليم المسيح المبسوط في
هذا الكتاب يناقض كل ما علَّمه إياه الناس وأنه بإزاء هذا التعليم في موقف المسلم
بإزاء النصرانية، فليس عليه بعد ذلك أن تكون العقيدة المشروحة في هذا الكتاب
توافق عقيدته أو تخالفها بل أن يعلم أيهما أكثر انطباقًا على عقله وقلبه، أعقيدة
كنيسته أم عقيدة المسيح الممحضة؟ وعليه بعد ذلك أن يختار لنفسه أحد الأمرين:
الرضى بقبول العقيدة الجديدة أو البقاء على عقيدة كنيسته.
وأما إذا كان القارئ من أولئك الذين يذهبون إلى احترام عقيدة إحدى الكنائس
والتسليم بها في الظاهر لا لصحة هذه العقيدة ولكن بالنظر إلى اعتبار المنافع التي
يجدونها فيها، فهذا القارئ يجب عليه أن يقول لنفسه بأنه ليس من المتهِمين(بكسر
الهاء)بل من المتهَمين (بفتحها) مهما كان عدد الذين يماثلونه في الرأي ومهما
كانت سطوتهم ومهما كانت تيجان الملوك معهم، وشهادات الأكابر منهم مصدِّقة لما
بين أيديهم، وليس يكون ذلك القارئ من الذي تقع عليهم التهمة أمامي بل أمام
المسيح، وينبغي لهذا القارئ أن يقول لنفسه إنه لن يطالَب (بفتح اللام) بأي
برهان مما يمكنه الإتيان به من الدلائل، فقد جاء بها السابقون عليه بزمان طويل وأنه
لو أتى بألف حجة على براءته لما كان في موقف يضطره إلى تزكية نفسه.
نعم، إنه يبقى عليه أن يزكي نفسه أولاً من وصمة الكفر والتدنيس اللذين