ليس الأمر الجوهري هو إثبات عدم ألوهية المسيح ولا أن تعليمه ليس إلهيًّا
ولا إيراد الدلائل على أن المسيح لم يكن كاثوليكيًّا وإنما هو فهم عناصر هذا التعليم
الذي ظهر للناس في أسنى المظاهر وأجلاها وأعلاها وأغلاها حتى قالوا ولا يزالون
يقولون بأن الرجل الذي قال به إنما هو الله. هذا هو الأمر الذي حاولت البحث فيه
والذي نجحت في الوصول إليه والوقوف عليه وذلك بالنسبة إلى شخصي على الأقل،
وهو ما أريد إبلاغه إلى إخواني.
يخيل إليَّ أن القارئ لهذا الكتاب إنما هو فرد من ذلك المجتمع العظيم الذي
يتألف منه فريق المتمدنين الذين تهذبوا ودرجوا على الاعتقاد بقول إحدى الكنائس
ومنعوا أنفسهم على الدوام من الجهر بالانفصال عنها مع ما ثبت لهم من مناقضة
تلك العقائد لما أرشدتهم إليه عقولهم. وأوحت به ضمائرهم. سواء كان ذلك مبنيًّا
على صبابة باقية من الحب والاحترام لذلك التعليم المسيحي أو لاعتبارهم النصرانية
كلها خرافة، فهم لا يرتبطون بها إلا في الظاهر. إذا كانت هذه حال القارئ فإني
أرجوه أن يعمل بالمثل السائر: (ألقِ بالخلعة في النار إذ صارت مباءة للقُمَّل) !
ولكنني أرجوه من باب أولى أن يتفكر أن الذي نفر منه طبعه وسمعه وظهر له بمظهر
الخرافات ليس هو التعليم الصادر عن المسيح، وأنه من الظلم مؤاخذة المسيح
بالحماقات التي علقها الناس بعده على تعليمه. وغرضي الوحيد إنما هو تحديد تعليم
المسيح في شكله الخاص به كما وصل إلينا أي بواسطة الأقوال والأفعال التي بلغنا
بطريق التواتر أنها أقوال المسيح وأفعاله [1] ومن كان من القراء من الصنف الذي
سبق لي وصفه فإن كتابي يريه أن النصرانية ليست مزيجًا من الأمور العالية
والأمور المبتذلة وأنها ليست من الخرافات بل إنها عبارة عن التعليم بما وراء
(1) المنار: إن أقوال الفيلسوف السابقة في هذه المقدمة تنفي هذا التواتر؛ فإنه قال: إن أقوال المسيح لم تنقل في عهده برمتها بالكتابة ولا بالحفظ، وإنما كان يحفظ بعضها الواحد فيلقيه إلى ثانٍ ثم يشتهر بعد زمن، وإنما يتحقق التواتر بنقل العدد الكثير عن المسيح نفسه ونقل مثلهم عنهم طبقة بعد طبقة بلا انقطاع.