ومن فرط دقة القرآن وصدقه يأتي الحق بقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} طبقا لقانون صيانة الاحتمال . فحين يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم ليبين له موقف اليهود منه ، ألا يُحتمل أن يُوجد قوم من اليهود يغلبهم الفهم العميق فيفكروا في أن يؤمنوا بهذا الرسول ، ويهدئوا من شراسة ظنهم به؟ وقد فكر بعضهم وأعلن الإسلام .
وهؤلاء القوم عندما يسمعون أحكام الله على اليهود أجمعين ، ألا يقولون: وما لنا ندخل في هذه الزمرة ؛ ونفكر في أن ننطق بالإيمان؟ فكأن قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} صان قانون الاحتمال أن يكون إنسان منهم فكر في الإيمان . ومن فكر في الإيمان فسوف يجد قوله الحق: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} وسيرى هذا الإنسان في نفسه أن القرآن دليل نزل على نور . وقد كان وأعلن قليل منهم إسلامه ، وماذا يكون موقفه صلى الله عليه وسلم بعد أن يخبره الحق: بأنك ستتعرض مستقبلا لخيانتهم؟ ألا يحرك ذلك نفسية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عليهم ، فإذا فعل اليهود خائنة فلا بد أن ينتقموا منهم ، وتطبيقا للقاعدة الأساسية في رد العدوان بأن من يعتدي عليك فاعتد عليه .
لم يشأ - سبحانه - أن يترك الموقف لعواطف البشر مع البشر بل قال: {فاعف عَنْهُمْ واصفح إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين} والعفو هو كما نقول: فلان عفَّى على آثاري ، أي أن آثارك تكون واضحة على الأرض وتأتي الريح لتمسحها فتعفي على الأثر . والأمر بالعفو أي امسح الأثر لذنب فعلوه . والخطيئة التي ارتكبوها عليك أن تعتبرها كأنها لم تحدث ، ولكن أيظل أثرها باقيا عند رسول الله؟ لا ، فالأمر بالصفح يأتي وهناك فرق بين أن تمحو الخطيئة وتبقى أثرها في نفسك وتظل في حالة من الغيظ والحقد .