إن الذي ينبغي الركون إليه - لقوته - هو الرأي الأول، المنسوب إلى سيبويه وأبى البقاء العكبري والزمخشري وابن عطية، أما ما عداه من آراء فلا تخلو من التكلف أو الضعف.
أما النصب على الاختصاص فلا مناص من قبوله؛ لأنه أسلوب شائع في الاستعمال اللغوي العربي، وفيه من البلاغة أمر زائد على مجرد التوجيه النحوي، الذي لا يتجاوز بيان عامل النصب أو الجر.
الثانية:
قوله تعالى: (.. والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس) .
وشاهدهم على هذه الشبهة هو قوله سبحانه:"والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس"لأنه جاء منصوباً ب -"الياء"بعد قوله تعالى:"والموفون بعهدهم إذا عاهدوا".
وكان يجب أن يرفع المعطوف - يعني: الصابرين - على المرفوع - يعني: الموفون - فيقول: والموفون والصابرون"، هذا قولهم."
الرد على الشبهة:
يُحسن بنا أولاً أن نذكر هذه الآية بتمامها لننظر فيها نظرة جُملية قبل مواجهة ما آثاره الخصوم حولها:
(1) (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) .
(2) (وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب) .
(3) (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) .
(4) (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) .
(والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) .
ترى أننا وزعنا كلمات هذه السورة على وحدات كل وحدة منها تضم معاني وقيماً متجانسة.
الوحدة الأولى: قيم إيمانية تنتظم تحت مفهوم العقيدة وهي: الإيمان بالله، وباليوم الآخر، وبالملائكة، وبالوحي، ثم بالأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم.
والوحدة الثانية: تنتظم عناصرها تحت مبدأ"الإنفاق المالي الحر (غير الزكاة) ويبين الله فيها الصفات التي تتحقق في المنفق عليه، وهم:"
-ذوو القربى من النسب.
-اليتامى مهما تباعدت صلتهم عن المنفق.
-المساكين، الذين ليس لهم مصدر رزق كسبى، إما لعدم وجود عمل، أو لعجز عنه.
-الغرباء الذين تعوزهم الحاجة في السفر، وليس معهم مال وإن كانوا أغنياء في بلادهم.
-المحتاجون - حقاً - الذين يستعطفون الناس لسد حاجتهم في غير معصية.
-عتق الرقاب من الرق، إما تطوعاً، أو كاتب السيد عبده على مقدار من المال ليصير حراً.