فطريق أهل العلم والإيمان الذين عقلوا عن الله أمره ودينه وعرفوا مراده بما أمرهم ونهاهم عنه، وهي أن نفس معرفة الله ومحبته وطاعته والتقرب إليه وابتغاء الوسيلة إليه أمر مقصود لذاته، وأن الله سبحانه يستحقه لذاته، وهو سبحانه الحبوب لذاته الذي لا تصلح العبادة والمحبة والذل والخضوع والتأله إلا له فهو يستحق ذلك؛ لأنه أهل أن يعبد ولو لم يخلق جنة ولا نارًا ولو لم يضع ثوابًا ولا عقابًا، وهو غاية سعادة النفس وكمالها والنفس إذا فقدت ذلك كانت بمنزلة الجسد الذي فقد روحه وحياته.
فالله -عَزَّ وَجَلَّ- فطر عباده على الحنيفة المتضمنة لكمال حبه والخضوع له والذل له وكمال طاعته وحده دون غيره وهذا من الحق الذي خلقت له، وبه قامت السموات والأرض وما بينهما، وعليه قام العالم، ولأجله خلقت الجَنَّة والنار، ولأجله أرسل رسله وأنزل كتبه، ولأجله أهلك القرون التي خرجت عنه وآثرت غيره، فكونه سبحانه أهلًا أن يُعبد ويُحب ويُحمد وُيثنى عليه أمر ثابت له لذاته، فلا يكون إلا كذلك، فهو سبحانه الإله الحق المبين والإله هو الذي يستحق أن يوله محبةً وتعظيمًا، فهو الإله الحق، ولو لم يخلق خلقه وهو الإله الحق، ولو لم يعبدوه فهو المعبود حقًّا إلا له حقًّا المحمود حقًّا، ولو قدر أن خلقه لم يعبدوه ولم يحمدوه ولم يألهوه، فهو الله الذي لا إله إلا هو قبل أن يخلقهم وبعد أن خلقهم وبعد أن يغنيهم.
ولا ريب أن كمال العبودية تابع لكمال المحبة، فإن القلوب لا يكون شيء أحب إليها منه ما دامت فطرها وعقولها سليمة، فلا ريب أن محبته توجب عبوديته وطاعته وتتبع مرضاته واستفراغ الجهد في التعبد له والإنابة إليه وهذا الباعث أكمل بواعث العبودية وأقواها حتى لو فرض تجرده عن الأمر والنهي والثواب والعقاب.
فعبد الله من يرضيه ما يرضى الله وشمخطه ما يسخط الله ويحب ما أحب الله ورسوله، فجعل الله لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول والجهاد في سبيله، وذلك لأن الجهاد حقيقة الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان، ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالبًا إلا باحتمال المكروهات.