ثانيها: لو كان إلهاً لما توارى منهم خائفاً من قتلهم له ، لأن الإله هو خالق لهم ولعملهم ، وعالم بزمن قدرتهم عليه ، فكيف يفر وهو يعلم وقت موته ؟ وهو خالق الموت والحياة ؟ ثم إنه يحتمل أن الله تعالى ألقى شبهه على شيطان أو مارد من مردة الجن ليخلص نبيه ورسوله من أيدي أعدائه ، ويرفعه إليه محفوظاً مكرماً ، كما أجري عليه يديه إحياء الموتى ، وخلقه من غير أب ، وأبرأ الأكمه والأبرص ، لا سيما وهو بزعمهم إنه العالم وخالق الإنس والجن وبني آدم ، فأي ضرورة تدعو لإثبات أنواع الإهانة والعذاب ، على ما زعموا ، لرب الأرباب ، مع وجود التناقض فيما نقلته أناجيلهم في هذا الفصل والباب .
عجباً للمسيح بين النصارى وإلى أي: والد نسبوه
أسلموه إلى اليهود وقالوا إنهم بعد ضربه صلبوه
فإذا كان ما يقولون حقاً وصحيحاً ، فأين كان أبوه ؟
حين خلى ابنه رهين الأعادي أتراهم أرضوه أم أغضبوه ؟
فلئن كان راضياً بأذاهم فاحمدوهم لأنهم عذبوه
ولئن كان ساخطاً فاتركوه واعبدوهم لأنهم غلبوه
وفي كتاب"الفاصل بين الحق والباطل"ما نصه: وفي الذي اتخذتموه شهيداً على صلبه من كلام عاموص النبي ، أن الله تعالى قال على لسانه: ثلاثة ذنوب أقبل لبني إسرائيل ، والرابعة لا أقبلها ، بيعهم الرجل الصالح - حجة عليكم لا لكم ، لأنه لم يقل بيعهم إياي ، ولا قال بيعهم إلها متساوياً معي .
ويجري تأويل ذلك على وجهين: إما أن يكون عنى بالمبيع عيسى كما تزعمون فقولوا حينئذ إنه (الرجل الصالح) كما قال عاموص ، وليس بالإله المعبود ، وإما أن يريد بالمبيع غيره وهو الذي شبه لليهود فابتاعوه وصلبوه ، ويلزمكم وقتئذ إنكار صلوبية عيسى عليه السلام ، كيف لا ونصوص الإنجيل والكتب النصرانية متضافرة دالة على عدم الصلب لعيسى عليه السلام ، ووقوع الشبه على غيره ، وذلك من وجوه: