وعلى الأقوال كلها فهو مفهوم معنى الاستثناء ، وإن نفى التسوية غير مسلط على ما أُضيف إليه غيره ، وقوله: {فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرجَةَ} [النساء: 95] ، هو مبين لمعنى نفى المساواة. قالوا: والمعنى فضل الله [المجاهدين] على [القاعدين] من أُولى الضرر درجة واحدة لامتيازه عنه بالجهاد بنفسه وماله. ثم أخبر سبحانه وتعالى أن الفريقين كليهما موعود بالحسنى فقال: {وَكُلا وَعَدَ الله الْحُسْنَى} [النساء: 95] أي المجاهد والقاعد المضرور ، لاشتراكهما فِي الإيمان.
قالوا: وفى هذا دليل على تفضيل الغنى المنفق على الفقير ، لأن الله [سبحانه] أخبر أن المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس ، وأما الفقير فنفى عنه الحرج بقوله: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قلت لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} [التوبة: 92] ، فأين مقام من حكم له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرج.
قالوا: فهذا حكم القاعد من أولى الضرر والمجاهد ، وأما القاعد من غير أولى الضرر فقال [سبحانه] : {وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجراً عَظِيماً درجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 95 - 96] ، وقوله: {دَرَجَاتٍ} قيل: هو نصب على البدل من قوله {أجراً عظيماً} ، وقيل: تأكيد له وإن كان بغير لفظه ، لأنه هو فِي المعنى ، قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة ، والهجرة فِي الإسلام درجة والجهاد فِي الهجرة درجة ، والقتل فِي الجهاد درجة.