وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (3: 135) ، وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: يَعْلَمُونَ ، وَلَوْ سَمَحَ اللهُ أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدٌ شَهْوَتَهُ أَوْ حَمِيَّتَهُ وَغَضَبَهُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَوَعَدَهُ بِالْمَغْفِرَةِ لَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلدِّينِ
وَلَا لِلشَّرْعِ حُرْمَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ ، فَهَذَا تَقْرِيرُ قَوْلِ مَنْ قَالُوا: إِنَّ الْقَاتِلَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ عِقَابِهِ ، وَالرِّوَايَاتُ فِيهِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ كَثِيرَةٌ تُرَاجَعُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ .
هَذَا مَا عِنْدَنَا عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَهُوَ مِنْ خَيْرِ مَا يُبَيَّنُ بِهِ وَجْهَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُشَدِّدُونَ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ:
"هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا مِنَ التَّهْدِيدِ وَالْإِيعَادِ ، وَالْإِبْرَاقِ وَالْإِرْعَادِ ، أَمْرٌ عَظِيمٌ ، وَخَطْبٌ غَلِيظٌ ، وَمِنْ ثَمَّ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ تَوْبَةَ قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ ، وَعَنْ سُفْيَانَ: كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِذَا سُئِلُوا قَالُوا: لَا تَوْبَةَ لَهُ ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ مِنْهُمْ عَلَى سُنَّةِ اللهِ"