وقال النووي في"شرح مسلم"في شرح حديث الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس: استدل به على قبول توبة القاتل عمداً ، وهو مذهب أهل العلم وإجماعهم ، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس ، وأما ما نقل عن بعض السلف من خلال هذا ، فمراد قائله الزجر والتوبة ، لا أنه يعتقد بطلان توبته ، وهذا الحديث وإن كان شرع من قبلنا ، وفي الاحتجاج به خلاف ، فليس هذا موضع الخلاف ، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره ، فإن ورد كان شرعاً لنا بلا شك ، وهذا قد ورد شرعنا به ، وذلك قوله تعالى: {وَالّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النّفْسَ} إلى قوله: {إِلّا مَنْ تَابَ} [الفرقان: 68] ، الآية ، وأما قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مّتَعَمّداً} الآية ، فالصواب في معناها: أن جزاءه جهنم ، فقد يجازى بذلك وقد يجازى بغيره ، وقد لا يجازى بل يعفى عنه ، فإن قتل عمداً مستحلاً بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد ، يخلد في جهنم بالإجماع ، وإن كان غير مستحل بل معتقداً تحريمه فهو فاسق عاص ، مرتكب كبيرة ، جزاؤها جهنم خالداً فيها ، لكن تفضل الله تعالى وأخبر أنه لا يخلد من مات موحداً فيها ، فلا يخلد هذا ، ولكن قد يعفى عنه ولا يدخل النار أصلاً ، وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين ، ثم يخرج معهم إلى الجنة ، ولا يخلد في النار .
قال: فهذا هو الصواب في معنى الآية ، ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة ، أن يتحتم ذلك الجزاء ، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم ، وإنما فيها أنها جزاؤه ، أي: يستحق أن يجازى بذلك ، وقيل: وردت الآية في رجل بعينه ، وقيل: المراد بالخلود طول المدة ، لا الدوام ، وقيل: معناها: هذا جزاؤه ، إن جازاه ، وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة ، لمخالفتها حقيقة لفظ الآية ، فالصواب ما قدمناه . انتهى .