هو. وما دوِّنت العلوم ولا قيِّدت الحِكَم به، ولا ضُبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، وكُتبُ الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا.
والله سبحانه وتعالى كان يعلم قيمة القلم في حياة الناس -كما يقول صاحب الظلال-"فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية، في أول سورة من سور القرآن الكريم، هذا مع أن الرسول الذي جاء بها لم يكن كاتبًا بالقلم ...".
وقلت من قبل في كتاب لي: فَقدُ القلمِ من أكبرِ المصائب. بمَ تُقيَّدُ الحقوق؟ تصوَّرْ محكمةً بدونِ قلم، أو دائرةَ شرطةٍ بدونِ قلم، أو مدرسة، أو جامعة، أو ديوانَ رئاسةٍ بدونِ قلم!
ولكن من الذي علَّمَ بالقلم؟ وما فائدةُ القلمِ وأنتَ لا تعرفُ أن تكتب، أو لا قدرةَ لكَ على الكتابة؟
إنَّ اللهَ علَّمَ أباكَ الأولَ أسماءَ الأشياء، وصارَ يعلِّمها كلُّ أبٍ ابنه، وكلُّ أستاذ تلميذه، وزوَّدكَ بعقلٍ لتعرفَ ماذا تكتب، وبذاكرةٍ تذكرُ فيها ما تكتب، وخلقَ لكَ أصابعَ لتقدرَ على أن تمسكَ بالقلم، ألا تشكرُ ربَّكَ الأكرم، {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ؟ [سورة العلق 4 - 5] .
وقلت أيضًا: القلم سيِّد الأدوات.
فسبحان من أفهم الإنسان بواسطة آلة جامدة لا حياة فيها وليس من شأنها الإفهام بالكلام!
وأخيرًا يقوله العلامة الآلوسي في تفسيره: وقوله تعالى {عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} بدل اشتمال من {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} أي: علمه به وبدونه، من الأمور الكلية والجزئية والجلية والخفية ما لم يخطر بباله.
والحمد لله الذي ألهم، وجعل شعار هذه المجلة (علَّم بالقلم) .
محمد خير يوسف
9 ذي الحجة 1432 هـ