ـ [أبو عثمان السلفي] ــــــــ [25 - Feb-2007, صباحًا 11:59] ـ
الغُلَوَاء في الولاءِ والبراءِ ...
... مِن دُرَرِ الكلماتِ العِلميّةِ الهاديَةِ المهديّةِ قولُ مَن قال: «دينُ اللهِ بين الغالي فيه، والجافي عنه» ، وهي كلمةٌ تُعَبِّرُ عن مُمارساتٍ سلبيّةٍ مُنحرفةٍ يُمارسُها بعضُ المُنتسبين إلى الدين مِن المسلمين -إفراطًا أو تفريطًا-.
ولمّا كان موضوعُ (الولاء والبراء) أصلًا عظيمًا مِن أصول الإسلام العظيم: كان تركيزُ العلماءِ عليه -مِن قبلُ ومِن بعدُ- كبيرًا، وكثيرًا؛ لِما يتضمّنُه ذلك مِن ضبطٍ للشخصية الإسلامية بالضوابطِ الشرعيّة دون النُّزوع أو الرُّكونِ إلى ما يُفسِدها مِن مُنَغِّصاتٍ مَستوردةٍ بعيدةٍ عنها ...
والآياتُ والأحاديث في عِظَم هذا الأمرِ، وجليلِ أهميّته ومكانتهِ كثيرةٌ جدًّا، ولا تخفى على أقل الناس علمًا، وأدناهم حِفظًا ..
نعم؛ قد تَغيبُ بعضٌ مِن صُور الفَهْم الصحيحِ لبعضٍ مِن هذه النصوص الشرعيّة؛ ممّا يُؤدّي إلى خلَلٍ في التصوُّر، وفسادٍ في الأحكام.
والقاعدةُ الشرعيّة المنضبطةُ -في هذا الباب المهمّ- راجعةٌ إلى قولِ شيخ الإسلام ابن تيميّة في «مجموع الفتاوى» (28/ 227 - 229) :
«مَن كان مؤمنًا وجبتْ موالاتُه مِن أيِّ صنفٍ كان، ومن كان كافرًا يجبُ مُعاداتُه من أيِّ صنفٍ كان ...
ومن كان فيه إيمانٌ وفيه فُجورٌ أُعطي من الموالاةِ بحسب إيمانه، ومن البُغض بحسب فُجوره.
ولا يُخْرَجُ من الإيمان -بالكُلِّيَّة- بمجرّد الذنوب والمعاصي».
ولكنَّ هذا الضابطَ الشرعيَّ يجبُ أن يكونَ منسجماَ -تمامًا- مع مثلِ قول اللهِ -تعالى-: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
قال الإمامُ ابن جرير مُفسِّرًا الآيةَ الكريمة: «عَنى بذلك: لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدين -مِن جميع أصناف المِلَل والأديان- أن تبرُّوهم وتَصِلُوهم، وتُقسِطوا إليهم؛ لأن بِرَّ المؤمنِ من أهل الحرب ممّن بينَه قرابةُ نسبٍ، أو ممن لا قرابةَ بينه وبينه ولا نسبٌ غيرُ مُحَرَّم ولا منهيٍّ عنه، إذا لم يكن في ذلك دِلالةٌ له، أو لأهلِ الحرب على عَورة لأهل الإسلام، أو تقويةٌ لهم بكُراع أو سلاح ...
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} يقول: إن الله يحبُّ المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحقَّ والعدلَ من أنفسهم، فيبَرُّون من بَرَّهم، ويُحسِنون إلى من أحسن إليهم».
وعليه؛ فإنَّ غيابَ هذا المَعْلَم الشرعيِّ البارز الدقيق عن ذلك الأصل الإيماني المهمِّ العميق: يُوقعُ الأمَّةَ في بلاءٍ وتَضْييق، ومصائبَ على وجه القَطْع والتحقِيق.
ذلكم أنَّه سَيُوَلِّدُ فقهًا أعوجَ لا اعتدالَ له، ولا اعتدادَ به!
فقد رأينا (!) من يستدلُّ بمثلِ قول اللهِ -تعالى-: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} على الحُكْمِ بالتكفير المطلق، أو بالردّة الكبرى: على المُواقِعِ لهذا النهي!
وقد كان من تفسير الإمام ابنِ عطيّة في «المحرر الوجيز» (ص1837) لهذه الآية الكريمة قولُهُ: «لا يوجد من يؤمن بالله والبعث يُوادُّ من حادَّ اللهَ مِن حيثُ هو مُحَادٌّ؛ لأنه حينئذٍ يودُّ المحادَّةَ، وذلك يوجُب ألا يكون مؤمنًا» .
أي: يحبُّه لدينهِ -والعياذُ بالله-؛ لا لأمرٍ آخرَ ليس حُكْمُهُ حُكْمَهُ.
(يُتْبَعُ)