ـ [أبو عبدالله السعيدي] ــــــــ [26 - Aug-2007, صباحًا 01:42] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
قواعد الاعتدال لمن أراد تقويم الجماعات والرجال
تمهيد
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين وصحابته الراشدين ومن سلك مسلكهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فيقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة: 8]
فهذه الآية الكريمة تُعدّ قاعدة في الجرح والتعديل، إذ فيها المنهج القويم الذي يجعل العدل لازمًا من لوازم الإيمان، وهذا المنهج الدقيق الذي يمثل جميع صور القسط والعدل مع البعيد والقريب، وينهى عن كل صور الجور والظلم مع القريب والبعيد والصديق والعدو.
قال الحافظ بن كثير في تفسيره عند الآية السابقة: (قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ} أي كونوا قوّامين بالحق لله عز وجل لا لأجل الناس والسمعة وكونوا {شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} أي بالعدل لا بالجور، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال: (نحلني أبي نحلًا فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه ليشهده علي صدقتي فقال(أكل ولدك نحلت مثله؟) قال لا، فقال (اتقوا الله واعدلوا في أولادكم) وقال: إني لا أشهد على جور قال: فرجع أبي فردّ تلك الصدقة)
وقوله تعالى {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل في كل أحد صديقًا كان أو عدوًا ولهذا قال: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه كما في نظائره من القرآن وغيره كما في قوله وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم)
وقوله {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء كما قوله تعالى {أصحاب الجنة يومئِذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا} وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أي وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها إن خيرًا فخير وأن شرًا فشر). اهـ. المراد
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الاستقامة - ج2 ص 247 -:
(وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.
ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام.
وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أُقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الدين من خلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة). اهـ.
ونحن في زمن قَلَّ فيه العدل والإنصاف، لذلك فالحاجة ماسة إلى أن تكون عندنا قواعد عامة في الحكم على الآخرين من أجل أن يكون هذا الحكم بعلم وعدل وإنصاف؛ ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في - منهاج السنة النبوية:
( لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا يبقى في جهل وكذب في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم) . اهـ.
(يُتْبَعُ)