ـ [د محمد السعيدي] ــــــــ [15 - Jun-2007, مساء 04:40] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
ألمرأة ومصطلح الحق
كل الفرقاء يريدون المرأة , هذه هي ترجمة الصورة الماثلة أمامنا عن الصراع المستمر حولها , فجميعهم يخطب ودها بدعوى النضال من أجلها والسعي لما فيه خيرها.
أما موضوع هذا الصراع فإن الغالب عليها وقوفها موقف المستجيب لأحد هذه الأطراف المتنازعة فيها , مع ضعف أثرها في الجانب التنظيري رغم محاولة الكثيرات منهن البروز على هيئة داغيات لمبادئهن لا مستجيبات وحسب إلا أن هذه المحاولات بالرغم من حظها الكبير الذي نالته من الضجيج الإعلامي ظلت قليلة الأثر في هذه الخصومة وظل دور المرأة الواضح هو في حسم هذا النزاع بمقدار ما تقدمه من الاستجابة لأحد أطرافه.
هكذا هي الصورة كما أراها: المرأة فيها هي مادة الحسم بين الفرقاء فمن تتبعه المرأة وتسير على نهجه هو الفائز في السباق سواء أكان اتِّباع المرأة إياه إيمانا بما ينادي به أم ضعفا أمام أهواء بشرية , لأن الخلاف حول المرأة بين الإسلاميين والعلمانيين أو الإسلاميين وبعضهم ليس خلافا فكريا لا يفسد للود قضية , كما يصوره البعض , ولا خلافا عمليا في عبادة خاصة يبقى أثر الخطأ فيه محصورا في العامل والمجتهد , بل خلاف فكري وعملي معا , فهو فكري في حقيقة المرأة والغاية من خلقها ودورها في هذه الحياة وما لها من حقوق وما عليها من واجبات , ومصدر الحكم في حقوقها وواجباتها , وهو عملي لتأثيره في بنية المجتمع والحكم على ماضيه وحاضره والتخطيط لمستقبله , لإفضائه إلى تغيير موازين الرؤى في التربية والتعليم والإدارة والاقتصاد والتاريخ وربما الجغرافيا.
ومما أحرزه أصحاب الأهواء من تقدم في معركتهم غير الشريفة , إلصاق مصطلح الحق إلى كل ما ينادون به للمرأة , حتى أصبح مضافا لكل فكرة خلافية بيننا وبينهم , وبلغ من شيوع هذه الإضافة أن صارت ألسنتنا تنزلق بها عند الحديث عن هذه القضايا دون قصد منا لمدلولها, وكأنها من المركبات الإضافية اللازمة لتلك الكلمات.
ونجاح فريق في تثبيت مصطلحاته حتى تتواطأ عليها الألسنة , مرحلة مهمة من مراحل النجاح في استقطاب الجماهير لأفكاره وترسيخ شرعيتها بينهم , لذلك تنبغي العناية بنقد المصطلحات وعدم السماح بإمرارها للأمة على هيئة مسلمات لا نقاش فيها , فإذا كان المصطلح المراد تثبيته هو الحق كانت العناية بعدم إمراره والاغترار به أوجب وألزم.
فقد قال المناوي في التعاريف ج1/ص287 (الحق لغة الثابت الذي لا يسوغ إنكاره وعرفا الحكم المطابق للواقع يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل)
وعلى هذا التعريف لا يمكن إطلاق الحق على ما لا نسلم باستحقاقه سواء أكان ذلك للمرأة أم للرجل , بل لا يصح إطلاق هذه العبارة على مباح يمكن أن يستجلب بالمنع منه مصلحة تراد في الدين أو الدنيا.
كما أن وصف الحق على تعريفه المتقدم لا يمكن أن يُكتسب إلا بدليل منقول أو معقول على أن نسبة هذا الموصوف إلى المرأة ثابتة لا يسوغ إنكارها وأن ما عداها هو الباطل , فالمنقول فيما كان مصدر الإثبات فيه الشريعة , والمعقول في ما مصدر إثباته العرف أو النظام , ولا يخفى أن ما تمتلئ به صحائف المطالبات للمرأة مرد الحكم فيها إلى الشريعة , فالقطع بأنها حقوق دون استحضار الدليل القاطع عليها كالقطع بنفي استحقاق المرأة لها دون دليل سواء بسواء.
ماذا نقول إذا أردنا أن تسمعنا المرأة:
ولأن المرأة - كما قدمت- هي مادة الحسم في معركة مع دعاة الهوى والبعد عن شرع الله تعالى , رأت فئة من الدعاة والعلماء أن إنقاذ المرأة من دعاوى الأهوائيين لا يتم إلا بشي من التنازل لبعض هذه المطالبات غير المشروعة بدعوى المصلحة المرسلة تارة ودعوى عدم كفاية الأدلة في المنع تارة أخرى.
والواقع أن مثل هذه التنازلات ليست في جملتها انصياعا للدليل كما يحاولون إثباته , بل هي نزول عند ضغط الواقع أو ضغط مصطلح الحق الذي أدى شيوعه إلى الشد من أزر المطالبين والمطالبات.
(يُتْبَعُ)