ـ [العاصمي من الجزائر] ــــــــ [15 - Jul-2009, مساء 01:57] ـ
لم يسلم التاريخ الإسلامي من عمليات التشويه والتحريف ومحاولة إخراج الأحداث عن سياقها الصحيح وإعطائها تفسيرات أخرى بعيدة كل البعد عن الواقع فلقد انتشرت حركة الوضع والكذب-مع نهاية عصر الصحابة رضوان الله عليهم- انتشار النار في الهشيم واستطاعت التسلل إلى جميع الفروع العلمية في جميع التخصصات
دون استثناء تغذيها الصراعات السياسية وتمدها الخلافات المذهبية فصار لكل حزب وفرقة وضاعوهم ونظارهم الذين يخترعون الأحاديث ويلفقون الحكايات نصرة للانتماءات أو خبافيما تجود به أيادي الملوك والأمراء بل حتى عن سذاجة وحسن نيّة ورغم هذا فقد اجتهد المخلصون من أبناء الإسلام في تصفية التراث وتنقية السنة من أيدي العابثين وخرج الإمام مالك رحمه الله بموطئه على الدنيا معلنا بلسان الحال بداية عصر جديد اصطلح عليه فيما بعد ب (عصر الدوين)
وفي هذا يقول العلامة الشيخ محمد الخضر حسين المتوفى سنة 1377 هـ - رحمه الله تعالى: (صلاح الأُمة في صلاح أَعمالها, وصلاح أَعمالها في صحة علومها, وصحة علومها أَن يكون رجالها أُمناء فيما يروون أَو يصفون, فمن تحدث في العلم بغير أَمانة فقد مس العلم بقرحة, ووضع في سبيل فلاح الأُمة حجر عثرة. لا تخلو الطوائف المنتمية إَلى العلوم من أَشخاص لا يطلبون العلم ليتحلوا بأَسنى فضيلة, أَو لينفعوا الناس بما عرفوا من حكمة, وأَمثال هؤلاء لا تجد الأَمانة في نفوسهم مستقرًا, فلا يتحرجون أَن يرووا ما لم يسمعوا, أَو يصفوا ما لم يعملوا, وهذا ما كان يدعو جهابذة أَهل العلم إِلى نقد الرجال, وتمييز من يسرف في القول ممن يصوغه على قدر ما يعلم, حتى أَصبح العلماء على بصيرة من قيمة ما يقرؤونه فلا تخفى عليهم منزلته, من القطع بصدقه أَو كذبه, أَو رجحان أَحدهما على الآخر, أَو احتمالهما على السواء) اهـ
ومع دخول المسلمين في غفوتهم الطويلة وتسلم المسيحية الشمالية .. 1 زمام القيادة لأسباب يطول شرحها حاولت تلك الطبقة الخبيثة من أبناء الاستعمار المتخفية تحت قناع الثقافة والأدب السطو على التراث الفكري والعلمي لأمة الإسلام وإعادة صياغته بمناهج جديدة ملؤها الغش والخديعة والتلبيس والتدليس وبدأت عملية التزييف الكبرى التي تلقاها المستلبون من أبناء هذه الأمة على أنها حقائق لا تقبل النقاش متترسين بدعاوى العلم والتحقيق ولزوم الموضوعية والحياد مع أن الغالب على أعمالهم هو الشد من أزر أساتذتهم والتمكين لغارتم على التراث ولهذه الاهرة الخطيرة العديد من الأسباب والدوافع وإن كانت لغاية واحدة وهي محو أي أثر لتلك اليقضة التي بدأت مع أمثال الجبرتي وابن عبد الوهاب والزبيدي والشوكاني وأمثالهم:
1 -: الخلافات السياسية و الانحرافات الفكرية المذهبية و الأمراض النفسية.
2 -إفساد الدين و الطعن فيه و في علمائه
3 -حب التظاهر بسعة العلم و كثرة الشيوخ و المرويات
4 -استمالة العوام و تجميعهم إشباعا للرغبات و الأهواء
5 -الطعن في بعض الأعلام أو مدحهم لأسباب مذهبية أو شخصية أو هما معا
6 -طلب المال و الجاه باستخدام الكذب ... 2
ولبيان الآثار الخطيرة لهذه الظاهرة نكتفي بهذا المثال الذي ساقه الدكتورخالد كبير علال في كتابه الماتع مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه حيث جعل من تاريخ الطبري نموذجا عمليا لبيان حجم الكارثة فقال:
(( .... فبخصوص المصنفات التاريخية نأخذ كتاب تاريخ الأمم و الملوك لابن جرير الطبري(ت310ه) ، كنموذج للإطلاع على مدى احتوائه على روايات كبار الكذابين.
أولهم محمد بن السائب الكلبي، عثرتُ له على 12 رواية. و ثانيهم هشام محمد بن الكلبي، عثرتُ له على 55 رواية.و ثالثهم محمد بن عمر الواقدي، أحصيتُ له أكثر من 440 رواية، و كثيرا ما ورد ذكره باسم: محمد بن عمر. و رابعهم سيف بن عمر التميمي، أحصيتُ له أكثر من 700 رواية. و خامسهم أبو مخنف لوط بن يحيى، عثرت له على أكثر من 612 رواية. و سادسهم الهيثم بن عدي، أحصيت له 16. و آخرهم محمد بن إسحاق بن سيار -هو متهم بالكذب -عثرتُ له على أكثر من 164 رواية.
(يُتْبَعُ)