ـ [فتى الأدغال] ــــــــ [22 - Dec-2006, مساء 03:36] ـ
لن تجدَ أضلَّ وأتعسَ وأشقى من القومِ الذين يدّعونَ العقلنةَ، وهم في دواخلِهم من دعاةِ التغريبِ، وبوّاباتِ الفكرِ العلمانيِّ، بل هم حماتهُ ومنظّروهُ، وميناؤهُ الذي ينقلُ أولئكَ عبرهُ بضائعهم.
هؤلاءِ - العقلانيينَ - ليسَ لديهم من العقلِ إلا ما يوجبُ قيامَ الحُجّةِ عليهم، ولا من الفهمِ إلا ما تستقرُّ بهِ لوازمُ الشريعةِ في رِقابِهم، أوتوا حظًّا من الجلادةِ والصبرِ، فصرفوها في مُحاربةِ دينِ اللهِ وسنّةِ رسولهِ - صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ -، فغدتْ بلادةً وجهلًا.
أبغوني عقلانيًّا فتحَ للنّاس ِ بابَ الدخولِ إلى الإسلامِ، أو خدمَ دينَ اللهِ تعالى، أو ازدادَ إيمانًا وسكينةً ووقارًا وثباتًا، بعدَ أن تعقلنَ وتعصرنَ!، كلّهم ينكصونَ على أعقابِهم ويرتكسونَ وينتكسونَ، بعدَ أن كانوا أربابَ صلواتٍ وخلواتٍ، وبدلًا من تقريبِ النّاسِ إلى دينِ اللهِ - تباركَ وتعالى - يأخذونهم إلى أقاصي الأفكارِ، ومهاوي التأويلاتِ، فيُدنونهم من الشبهِ والباطلِ، ويتركونهُم في حالةٍ من الحيرةِ والتخبّطِ، ويفتحونَ لهُم بابَ الرّدِّةِ والكفرِ، ويهوّنونَ عليهم أمرَ المعاصي والمُنكراتِ.
وبعدَ اللّحى الوقورةِ، والثيابِ المُستنّةِ، ومسحةِ العِبادةِ، ومظهرِ الخيرِ، وإدمانِ النوافلِ، يستبدلونَ ذلكَ بالحلقِ والتنعيمِ والإسبالِ ومظاهرِ النكوصِ على السنّةِ، وتعودُ ليالي العبادةِ سهرًا على الباطلِ، وتزدانُ المجالسُ بذكرِ الأسماءِ الأعجميّةِ والفكرِ الوافدِ، ولا تجدُ في قاموسِهم موضعًا للسنّةِ والقرءانِ، فقد صارا للذّكرى والبركةِ.
تفٍّ على هكذا فكرٍ.
وتعسًا لهم، ما أضلَّ أعمالَهم وأشقاهم!.
من قبلُ: عندما كفرَ إسماعيلُ بنُ أدهمَ كفرةً صلعاءَ، وخرجَ من الدينِ من أوسعِ أبوابهِ، تمنطقَ بالعقلِ والعقلانيّةِ فأعلنَ الإلحادَ، فجاءهُ من اللهِ - تباركَ وتعالى - ما لم يكنْ في حُسبانهِ، ورماهُ بالحيرةِ والقلقِ والاضطرابِ، فلم يُطقْ على نكالِ اللهِ في الدّنيا صبرًا، وانتحرَ مُغرقًا لنفسهِ في مياهِ البحرِ الأبيضِ المتوسّطِ، وفي جيبِ معطفهِ ورقةٌ يُطالبُ فيها أهلهُ بعدمِ دفنهِ مع المسلمينَ، وبحرقِ جُثّتهِ، وأنّهُ انتحرَ يأسًا من الدّنيا.
وهذا عليُّ بنُ عبدِ الرازقِ، ذلكَ الشيخُ المُعمّمُ الأزهريُّ الضالُّ، الذي تبنّى - عاملهُ اللهُ بما يستحقُّ - كتابَ"الإسلامِ وأصولِ الحكمِ"، ووضعَ اسمهُ عليهِ، وصرّحَ فيهِ بأنَّ الإسلامَ لا علاقةَ لهُ بالحكمِ، وقرّرَ العلمانيّةَ وأصّلَ لها بما ظنّهُ أدلّةً شرعيّةً، فانبرى لهُ أسْدُ اللهِ من جهابذةِ أهلِ العلمِ، وفنّدوا شُبههُ، وكسروا حُججهُ، حتّى آواهُ المبيتُ بعدَ فترةٍ من عمرهِ إلى القلقِ والخوفِ، فصرّحَ - كما نقلَ أنورُ الجُنديُّ - بأنَّ لعنةَ كِتابِ"الإسلامِ وأصولِ الحكمِ"قد أدركتهُ، وأمرَ بعدمِ طِباعتهِ.
وهذا فهدٌ العسكرُ، شاعرٌ ماجنٌ هالكٌ، بدأ مؤذنًا فإمامًا في الكويتِ، ثُمَّ قرأ في كتبِ التوسعةِ الفكريّةِ، وفتحَ لنفسهِ آفاقَ الحرّيةِ العقليّةِ، فدعاهُ ذلكَ إلى الحيرةِ والقلقِ والشكِّ، ولم يُطقْ على ذلكَ صبرًا، فشربَ الخمرةَ، ورافقَ البغايا واتخذهنَّ أخدانًا، بعدَ أن كانَ القرءانُ سميرهُ وأنيسهُ، حتّى عميَ بصرهُ لفرطِ شُربهِ للخمرِ بعدَ أن عميَ قلبهُ، وصرّحَ بالكفرِ والتشكّكِ في شعرهِ، فماتَ خاسئًا في أحدِ المشافي، ولم يُصلِّ عليهِ أهلهُ لكفرهِ.
وأمّا من نحنُ بصددهِ، فهو رجلٌ سلكَ ومشى على طريقةِ العقلانيينَ حذوَ القذّةِ بالقذّةِ، وانتحلَ منهجهم، وعظّمَ رجالهم، وكتبَ وغامرَ وزاحمَ، فأتى بما لم تستطعهُ الأوائلُ، ولكنْ خزيًا وعارًا.
إنّهُ محمود أبو ريّة.
ذلكَ المصريُّ الكاتبُ في مجلّةِ الرسالةِ، والذي بدأ حياتهُ مُتسكّعًا على شيخِ الأدبِ وإمامهِ: مُصطفى صادق الرافعيِّ، يقتاتُ على فتاتِ مائدتهِ، ويستطعمهُ الفائدةَ ويستجديهِ المسائلَ، ويغترفُ بقايا معينهِ، حتّى أدّاهُ ذلكَ إلى أنْ صارَ شيئًا يُشارُ إليهِ بالبنانِ!.
(يُتْبَعُ)