ـ [د محمد السعيدي] ــــــــ [30 - Mar-2007, مساء 04:11] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا مقال نشرته قبل أشهر في بعض المواقع ولما جرى حديث بعض الإخوة عن محاضرة الدكتور سعد البريك عن اليبرالية رأيت من المناسب نشره وسماع الانطباع عنه والتحاور مع الإخوة في مضمونه
بسم الله الرحمن الرحيم
لماذا لا أكون مسلما ليبراليا
هذا سؤال يطرحه رجلان:
أحدهما: مؤمن بالليبرالية يلقيه مقررا, والآخر مناهض لها يسوقه منكرا, فالأول يقول: إن الليبرالية توجُهٌ فكريٌ وأخلاقي لا يتنافى مع روح الإسلام إلا في أجزاء من نسخته الغربية ويمكننا أن نصنع منه نسخة أخرى متوافقة مع الشريعة الإسلامية , وكما ساغ لنا أن نتكلم عن اقتصاد إسلامي وسياسة إسلامية وإدارة إسلامية فلا بأس أيضا أن نتكلم عن ليبرالية إسلامية فكان ماذا؟
ويقول الآخر: الإسلام دين كامل شامل لجميع أوجه الفكر و الحياة لا يستوعب توجها مغايرا إلا إذا صنعنا منه نسخة أخرى , ولا يجوز في الإسلام أن نستخدم نسخة غير أصلية.
أما من يقف بين هذين الرجلين ويتساءل: إلى أيهما يتجه , فهو ينطلق في تفكيره من مسلمتين , إحداهما: كمال الدين الذي يشمل مفهومه كل توجه فكري أو أخلاقي لا يتناقض مع تعاليمه حالا , أو مآلا , يسير ضمن موكب الإسلام وينتهي إلى حيث ينتهي. أما إذا خالف هذا الموكب في أي مرحلة من طريقهما فهو توجه غير إسلامي وإن وافق الإسلام عرضا في بعض الطريق.
ومبعث هذا التسليم آيات قاطعة في دلالتها على أن كل مخالفة لتعاليم الدين تعد معصية سواء أكانت تلك التعاليم فيما يتعلق بالمقاصد أم الشريعة أم مصادر التلقي أم مناهجه وذلك من أمثال قوله تعالي: (اهدنا السراط المستقيم سراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وقوله: (وأن هذا سراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)
ألمسلمة الأخرى: أن مفهوم الدين لدى هؤلاء يتسع لكل تصرفات الإنسان من حين يستيقظ إلى أن يعود إلى نومه مرة أخرى بل إن النوم أيضا يدخل في الدين من باب النية والاحتساب , و حتى الجهد الفكري وسائر العمل غير المنظور لا تخرجه عن الدين شدة خصوصيته وعدم مساسه بالآخرين ويستمسكون بآيات قاطعة في دلالتها على هذه الحقيقة كقوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذالك أمرت وأنا أول المسلمين) وقوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا) (وكل شئ فصلناه تفصيلا) (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) .
فالدين عبادة والإنسان لا يخرج عن وصف العبودية بحال من الأحوال , فهو إما عبد لله اختيارا , كالمخاطبين بقوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما 00) أو عبد لله اضطرارا كما في قول الله تعالى في الحديث القدسي: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر)
فإذا كانت الليبرالية الإسلامية -كما يقولون- تنطلق من هاتين المسلمتين , ولا تتعارض مع حكم آخر من أحكام الشريعة فقد انحصر الخلاف بين الفريقين في استخدام المصطلح وهو خلاف مآله إلى الزوال.
فهل اليبرالية كذلك؟
التعريفات الكثيرة لهذا التوجه الفكري لا تخدمنا في الوصول إلى نتيجة لما نحن بصدده لأن هذه التعريفات تنطلق من الأصل اللغوي للمصطلح وهو الحرية وبذلك لا يمكن الجزم بمعاداة هذا التوجه للدين أو موافقته له من خلال التعريف فقط , وبرأيي أن من يحاول معاداة الليبرالية من خلال تعريفاتها وحسب لن يكون موقفه أكثر قوة من ذلك الذي أحبها من أجل التعريف وحده لأن كليهما قادر على تأويل التعريفات كما يهوى.
والصواب في فهمنا لليبرالية وموقف الإسلام منها: أن ننظر في أصل نشأتها وواقع روادها في أرضها التي ترعرعت عليها ..
(يُتْبَعُ)