ـ [فريد المرادي] ــــــــ [30 - Mar-2008, مساء 01:15] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
«ملامح المنهج السلفي في المواجهة مع التنصير»
للشيخ رفاعي سرور (إعداد / محمد جلال القصاص)
* ملحوظة هامة: هذا المقال مأخوذ من تقديم الشيخ رفاعي سرور ـ حفظه الله ـ لإجابات الأسئلة التي طُرحت عليه في (منتدى الجامع) ، وقد نقلها الأستاذ محمد جلال القصاص ـ وفقه الله وسدد قلمه ـ إلى موقع (صيد الفوائد) على هيئة مقال وقام بتخريج الأحاديث وتسمية الموضوع بهذا الاسم.
ونظرًا لأهمية موضوع المقال والحاجة الماسة إليه رأيت نقله إلى هذا المنتدى بتصرف يسير، عسى الله أن ينفع به كل من يطلع عليه. (فريد المرادي) .
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وبعد:
في البداية .. يجب التنبيه على أن منهج مواجهة النصرانية المحرَّفة له نفس الأبعاد المنهجية الكاملة لمنهج الدعوة الإسلامية، وهي الحكمة المأخوذة من قول الله ـ عز وجل ـ: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] ، وفيه يقول الأستاذ سيد قطب:(على هذه الأسس يُرسي القرآن قواعد الدعوة ومبادئها، ويعيِّن وسائلها وطرائقها، ويرسم المنهج للرسول الكريم، وللدعاة من بعده بدينه القويم، فلننظر في دستور الدعوة الذي شرعه الله في هذا القرآن ..
والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي بيَّنه لهم في كل مرة .. والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها .. فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.
وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر .. فإن الرفق في الموعظة كثيرًا ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ.
وبالجدل بالتي هي أحسن .. بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح، حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق ..
فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق حتى لا تشعر بالهزيمة، وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس، فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلًا عن هيبتها واحترامها وكيانها.
والجدل بالحسنى هو الذي يطامن هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها والاهتداء إليها ..
في سبيل الله، لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر .. !
هذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل بالحجة، فأما إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة فإن الموقف يتغير، فالاعتداء عملٌ ماديٌّ يدفع بمثله إعزازا لكرامة الحق، ودفعا لغلبة الباطل، على ألا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده إلى التمثيل والتقطيع، فالإسلام دين العدل والاعتدال، ودين السلم والمسالمة، إنما يدفع عن نفسه وأهله البغي ولا يبغي {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126] ، وليس ذلك بعيدًا عن دستور الدعوة فهو جزء منه. فالدفع عن الدعوة في حدود القصد والعدل يحفظ لها كرامتها وعزتها، فلا تهون في نفوس الناس. والدعوة المهينة لا يعتنقها أحد ولا يثق أنها دعوة الله. فالله لا يترك دعوته مهينة لا تدفع عن نفسها، والمؤمنون بالله لا يقبلون الضيم وهم دعاة الله والعزة لله جميعًا ..
والهدى والضلال بيد الله وَفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها واتجاهاتها للهدى أو الضلال ..
هذا هو دستور الدعوة إلى الله كما رسمه الله ..
والنصر مرهون بإتباعه كما وعد الله .. ومن أصدق من الله .. ؟)
وقال ـ رحمه الله ـ في ظلال هذه الآية: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] :
(يُتْبَعُ)