فهرس الكتاب

الصفحة 1018 من 28557

ـ [عبد الرحمن السديس] ــــــــ [05 - Apr-2007, مساء 01:58] ـ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم إلى يوم الدين، أما بعد:

هذه تكملة لما سبق طرحه في البحث السابق ( http://www.alukah.net/majles/showthread.php?t=1863)

الفرع الثالث

ضابط التوسط في الإنفاق العام

معنى الضابط: أن يكون الإنفاق العام وسطًا بين الإسراف والتقتير، بما يحقق القوام (1) .

وليتضح معنى القاعدة فلا بد من بيان هذه الكلمات الثالث: الإسراف، والتقتير، والقوام.

أولًا: الإسراف: الإسراف في اللغة: مجاوزة القصد (2) .

وأما الإسراف المنهي عنه في الشرع: فقد اختلف أهل العلم في المراد به على قولين:

الأول: إن الإسراف مجاوزة الحد في النفقة، كمعناه في اللغة (3) .

الثاني: إن الإسراف الإنفاق في المعصية، أو في غير طاعة الله - عز وجل - (4) .

وبين المعنيين فرق؛ إذ الإسراف على المعنى الأول يشمل الإنفاق في الخير إذا جاوز الحد، وأما على المعنى الثاني فيختص الإسراف بالإنفاق في المعاصي أو في غير طاعة الله مهما قلَّ، وأما الإنفاق في الخير وفي طاعة الله فليس بإسراف مهما كثر.

ويظهر أن المعنى الأول هو الأقرب، وأن الإسراف يعم الإنفاق في الخير إذا جاوز الحد؛ للآتي:

1 -قول الله - جل وعلا: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء:26) حيث عقب الله - عز وجل - على أمره بالإنفاق على ذوي القربى - وهو طاعة - بالنهي عن التبذير - وهو إسراف - فأشعر ذلك أن الإنفاق في الخير إذا جاوز الحد كان إسرافًا.

2 -موافقته لمعنى الإسراف اللغوي.

3 -شموله.

4 -كون الحديث عن المال العام، الذي يتفق الجميع على وجوب إنفاقه في الأصلح، ومجاوزة الحد بالإنفاق خلاف الأصلح، حتى ولو كان الوجه المنفق عليه خيرًا.

وقد نص الفقهاء على أنه لا يجوز لولي اليتيم أن يتبرع بشيء من مال اليتيم على وجه خيري، ولا أن يسامح فيه؛ لأن ذلك خلاف مصلحة اليتيم، وولي الأمر في المال العام بمنزلة الولي في مال اليتيم.

ثانيًا: التقتير: ومعناه في اللغة: التضييق في الإنفاق، والقصور عن حد الكفاية (5) ، وهذا هو المعنى المراد في الآية (6) .

ثالثًا: القوام: بفتح القاف معناه: العدل بين الشيئين. وبالكسر معناه: ما يقام به الشيء، يقال أنت قوامنا بمعنى: ما تقام به الحاجة، لا يفضل عنها، ولا ينقص (7) .

والمعنيان متفقان؛ إذ الاعتدال في النفقة بين الإسراف والتقتير قيام بالحاجة بما لا يفضل عنها، ولا ينقص. وهذا المعنى هو ما يراد بالتوسط في الإنفاق في هذا الضابط.

وقد حدّ ابن كثير النفقة المأمور بها في الشرع بحد حسن، أصبح من أركان الاقتصاد في العصر الحديث، وهو تحقيق الموازنة بين الدخل والإنفاق، بحيث لا يزيد الإنفاق على الدخل، قال في تفسير قول الله - عز وجل - (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) (الإسراء: 29) : أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقعتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا، محسورًا (8) .

ومما تقدم يمكن تحديد مفهوم الوسطية في الإنفاق في أمرين:

الأول: عدم الإسراف والتبذير؛ لأنهما إضاعة للمال بلا منفعة.

الثاني: عدم الشح والتقتير؛ لأنهما يعطلان وظيفة الإنفاق في سد الحاجة، وتحقيق نمو المجتمع (9) .

وقد اعتبر الفقهاء هذا الضابط في النفقة العامة، باعتباره مقتضى وجوب فعل الأصلح في المال العام، ولذا جعلوه من ضمن واجبات ولي الأمر، قال الماوردي وهو يعدد واجبات الإمام تجاه الأمة: الثامن: تقدير العطايا، وما يستحق في بيت المال، من غير سرف، ولا تقتير (10) ، وجعل البلاطنسي ذلك من المسؤوليات التي أناطها الشرع بولي الأمر فقال: والشرع قد أناط حفظ تلك الأموال، وصرفها، وتقديرها بالأئمة والولاة، على الوجه المأذون لهم فيه شرعًا، من غير سرف، ولا تقتير (11) .

أدلة اعتبار ضابط التوسط في الإنفاق:

أولًا: الكتاب: دل القرآن الكريم على اعتبار هذا الضابط من خلال النصوص التي حثت على انتهاج التوسط في الإنفاق، وهي وإن كانت في النفقة الخاصة - كما يفيد ظاهرها - إلا أن دلالتها على ثبوت ذلك في النفقة العامة أوَّلية، لأمرين:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت