ـ [إبراهيم السعوي] ــــــــ [15 - Jan-2007, صباحًا 06:30] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
إن من أعظم ما وهب الله للعبد عقلًا سليمًا، وفكرًا ناضجًا، وإدراكًا ثاقبًا، وسعة في الأفق، واستيعاب للحق، به يرتقي أناس، وينحط به آخرون.
ميّز به الإنسان عن بقية الحيوانات، بتعطيله، أو انحطاط تفكيره يفقد الإنسان إنسانيته، وينخرط في عالم الحيوان البهيمي {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} .
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} .
به يسود الفرد، وينال الصدارة، ويميز الخير من الشر، ويعمل النفع ويبتعد عن الضر، ويؤصل أمته إلى بحر الأمان حتى ولو كان نحيل الجسم، وذميم الخلقة"إنما المرء بأصغريه بلسانه وعقله".
ولعظم منزلة هذا العقل كان أحد الضرورات الخمس التي اتفقت الشرائع على حفظها، فحفظه حسيًا ومعنويًا غاية من غايات هذه الشرائع.
ومما يمدح به الفرد، أو الشعوب حينما يتصف بصفات العقل السليم التي وهبها الله للعبد، ولهذا فلا غروى أن يكون أغلى ما تملكه الشعوب من الثروات هي هذه العقول، وإن كانت فقيرة بالثروات المادية، لكنها استطاعت أن تتقدم على شعوب طغت عليها الثروات المادية في جميع الميادين، وبعقولها استطاعت أن تسود الأمم. و تشجع هجرة عقول الأمم الأخرى جماعات ووحدانًا، وتحتضنها وتغذيها. وانحطت شعوب وأمم لما انحطت عقولها، وزهدت في عقول رجالاتها، وكان هم الواحد منهم لا يتجاوز أسقطة المتاع؛ مع أنها من أغنى الشعوب بالثروات المادية.
ولمكانة العقول السليمة لدى الشعوب الواعية الطموحة المثمنة للكنوز يكون همها ليل نهار الحفاظ على هذه الكنوز، واحترامها وتقديرها، والاحتفاء بها، والدفاع عنها، وتسخير ما تستطيعها من قدرات لتطويرها وتفعيلها، وتُهيأ الأسباب والأجواء لتنتج الكثير، وما الاهتمام الفائق بالموهبين الصادق إلا نتاج ذلك.
وهذه العقول لا تخل منها أمة من الأمم، أو شعب من الشعوب"إن بني عمك فيهم رماح"فهذا من عدل الله ورحمته وإحسانه بعباده المتتابعة.
ومن سنة الله في خلقة تفاوت هذه العقول تفكيرًا، ووعيًا، وإدراكًا، وهداية، واستفادة. مع اتفاق في أصل العقل وسلامته وأنها قابلة للزيادة في التعقل والتأمل، وهيئت للسعي فيها قدمًا، و التوسع في المدارك والأفق.
ومن حق هذه العقول علينا احترامها وتقديرها والاستفادة منها، وعدم الاستخفاف أوالاستهانة بها، أو الإسقاط من شأنها، أو السعي الحثيث لقصرها على ما يراد منها لا ما تريده.
والاستخفاف بالعقول له صور وأشكال ظهر الكثير منها والبعض الأخر في طريقه إلى الظهور، لأن مشوار الاستخفاف بالعقول ما زال مستمرًا، وتعدد ممتهن هذا الاستخفاف بدلًا ما كان مقتصرًا على أصحاب السياسة، وأرباب الشعارات، والذاتيين، فبدأنا نسمعه ونشاهده ممن يدعي الإصلاح، والسعي الحثيث لتوعية العقول وتوسعة المدارك، والنقلة بالأمة.
وإن كان ظاهر صيحاتهم ونداءاتهم النصحة للأمة، والخوف من المستقبل، حلت بثوب الرحمة والشفقة، إلا أن الحفاظ على رأس المال مقدم على الربح.
وللتطور الهائل في هذا العصر في وسائل المعلومات، والاتصال؛ حتى أصبح العالم كالقرية الواحدة، فبدأ الوعي ينتشر في أوساط المجتمع، ويحرص الناس على معرفة الحقيقة، وأنهم ما عاد تنطوي عليه الأمور مثل ما كانت تنطوي عليهم في السابق، فمصادر المعرفة تيسرت، وتعددت، وأحبوا أن يعرفوا الأمور بأنفسهم لا أحد يملها عليهم، وبدؤوا يستقلون بتفكيرهم وأرائهم ونتائجهم الحاضرة والمستقبلية ليتحرروا من تبعية الغير وتسير الأخر لما يريده هو لا ما يريدونهم. وأن حبال الثقة المتبادل قد انقطع، ويَردوا قانون"وما أريكم إلا ما أرى"إلى مقننه ومستحسنه. وأنهم لا يريدون السياسة
(يُتْبَعُ)