إمكان"الإمارة"أو وزارة الخارجية ضبط أيقاع العلاقات الخارجية خارج تلك الدوامة التى أثارها ذلك الرجل.
فى رأى ذلك الجناح من الصقور أن بن لادن يجب أن يعاقب أو أن يطردلرفضه مرارًا طاعة توجيهات"أمير المؤمنين"بالإمتناع عن إجراء المقابلات الإعلامية. الملا محمد حسن كان الأكثر جرأة في تيار الصقور حين عبر صراحة في مجالسه بأن هؤلاء العرب"الوهابيون"لاداعى لهم، فهم خصوم لنافى الأساس، فهناك خصومة مذهبية لاحل لها بين الوهابية والصوفية، ثم أن هؤلاء كانوا يدعمون سياف وحكمتيار وقت الجهاد، فهم من الإخوان المسلمين أعداء طالبان، ثم أن العرب قاتلوا مع حكمتيار ضد حركة طالبان، وقتلوا منهم الكثيرين، ثم يتساءل عن السبب في تحمل مصائبهم
ومن هنا نشأت إتهامات تشكك في بن لادن بأنه مبعوث من أمريكالإيجاد ذريعة
لضرب حركة طالبان (!!) .وكانت تلك نظرية تآمريه موجودة بالفعل بين صفوف
طالبان لتفسير ظاهرة بن لادن التى داهمت حركتهم على غير إنتظار فحددت
مصيرها.
فى صفوف العرب كان للمعاضة أسباب أخرى، فقال الصقور أن بيان بن لادن أعلان الجهاد على الأمريكيينجاء قبل سيطرة حركة طالبان على العاصمة كابول والذى جعلها حكومة رسميةللبلاد. الأمر الذى يستدعى إدخال تعديلات جوهرية. فهناك الآن حكومة شرعيةلابد من الخضوع لسلطانها وأوامرها. وبرامج مثل إعلان الجهادلابد أن يتم بالمشاورة مع حاكم البلاد أمير المؤمنين و طبقًا لتصوراته، أو بالأحرى قدرته على الإحتمال.
وإذا لم يتم هذا التنسيق فسيحدث الصدام عاجلا أو آجلا بين بن لادن والعرب معه وبين الإمارة .. والعرب مجرد ضيوف وهم الطرف الأضعف. فإما أنهم سيرغمون على مغادرة البلاد او أن يصمت بن لادن، وربما توقفت جميع نشاطاته الأخرى خاصة معسكرات التدريب وحدث إجماع عربى في العامين الأخيرين، قبل خروجهم الأخير من أفغانستان، بأن عليهم، وعلى ابن لادن بشكل خاص، الإنتباه إلى أن أفغانستان هى آخر جزء على وجه الأرض يقبل بإقامتهم بشكل طبيعى وبدون أن يكونوا مهددين خارجيًا أو داخليًا.
ولم يكن ثمه خلاف بينهم على أن تقدير أمور الدوله وإدارتها هو من صلاحيات ومسئوليات الملا عمر أمير المؤمنين، وأنه ليس من حق بن لادن الخروج عن هذه السلطة أو عصيانها أو تكوين دولة موازية داخل أفغانستان.
كان بن لادن يوافق ظاهريا على ذلك. ولكنه برهن على أنه الشخص الوحيد في أفغانستان الذى يرى لنفسه الحق وأن عنده القدرة أن يفعل ما يريد .. فتمكن بذلك من قيادة الركب الإسلامى في أفغانستان .. إلى الهاوية [1]
(1) فإذا لم يكن للأفراد من الثقافة ما يمكنهم من فهم أغراض الحركة ووسائلها، فإنهم يتبعون القيادة حسبما سارت وأينما توجهت، وسرعان ما يختلط"موضوع"الدعوة بشخصية القائد وسرعان ما يفتتن القائد بما يفيض علية من الولاء الذي قد يصل إلي حد القداسة، وسرعان ما ينصرف عن تعليم الأتباع ما يجب أن يعرفوه من شئون الحركة ومناهجها ووسائلها، وحينئذ تتخذ الحركة صورة من صور"العقيدة"التي تستكن في العقل الباطن، تتحرك بدافع من الشعور يجاوز الفكر المنطقي، ويغفل عن الأسباب والعواقب، وحين تصل الحركة إلي هذا الطور تكون قد وصلت إلي أخطر مرحلة من حياتها العامة، هي مرحلة المغامرة أو المقامرة فإما تقوم بعمل يرفعها درجات أو ينزل بها إلي سفلي الدركات. ومهما كان الأمر، فلن يمكن أن تحقق مثل هذه الدعوة نجاحًا ذا بال أو أن تعمر طويلا أذا افتقدت قائدها أو تخلي عنها من يقوم عليها.
د. محمود أبو السعود - مقال مشكلة المدلولات والقيادة - كتاب الحركة الاسلامية: رؤية
مستقبلية - أوراق في النقد الذاتي. ص. 368