ولقد تجمّلت بمولانا جهة تصدّر أخبارها بأقلامه، وتصْدر مهماتها بمتين كلامه، ويبدو صلاحُها بألفاظه التي هي كالزُلال في رقته والدُرّ في نظامه، فبسط الله ظلال مَن أمتع هذه المملكة بمولانا، وسيّر ركابه إليها، وطالما أولاه الخير وأولانا، قد شمل البعيد والقريب بفضله، وعمّر مصر بسؤدده، وغمر الشام بفضله:
كالبحر يقذف للقريب جواهرًا ... كرمًا ويبعث للبعيد سحائبا
ثم يعود المملوك الى وصف محاسن مولانا التي مكنت في القلب حُبّه، وأرضت بالود مملوكه وتِربه، وشيّدت له في الأفئدة أعظم رتبة:
أتتنا من ودادك خيرُ هبّه ... فنعّمَ طيبها عيش الأحبه
وزارتنا على نأيٍ فأهدت ... لنا أنسًا به أنسي تنبّه
تذكّرني بزورتها ائتلافًا ... ووقتًا طالما مُتّعت قربه
نأى عن مصر من مولاي أُنسٌ ... فألْفى بعدها رحبًا ورحْبَه
للفظك في الطروس عُقودُ معنى ... بها دُرُّ الترائب قد تشبّه
وخطك لم يزل درًّا ثمينًا ... له بالجوهر الشفّاف نسبه
بنانكَ منبر يرقى عليه ... يراعٌ كم لها في الطرس خطبه
خطبت من المعاني كلَّ بكر ... فلبّت بالإجابة خير خطبه
كأنك قد رقيت الأفق عَفوا ... فأعطى طرسُك الميمون شُهبه
فدُمت معظّمًا في كل أرضٍ ... تنال من السعود أجلَّ رُتْبه