{وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ} أيها الأزواج أو الحكام؛ لأنهم الآمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم، فكأنهما الآخذون والمؤتون، والأول أظهر {أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ} ؛ أي: أعطيتموهن من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها {شَيْئًا} قليلًا فضلًا عن الكثير؛ لأنه استمتع بها في مقابلة ما أعطاها، وتنكير {شَيْئًا} للتحقير؛ أي: شيئًا حقيرًا، وخص ما دفعوه إليهن بعدم حل الأخذ منه، مع كونه لا يحل للأزواج أن يأخذوا شيئًا من أموالهن التي يملكنها من غير المهر؛ لكون ذلك هو الذي تتعلق به نفس الزوج، وتتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو ملكها، على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها لا يحل له .. كان ما عداه ممنوعًا منه بالأَولى.
ثم استثنى الخلع، فقال تعالى: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} ؛ أي: الزوجان، وقرئ {يظنا} ، وهو يؤيد تفسير الخوف بالظن؛ أي: إلا أن يعلم الزوج والمرأة من أنفسهما عند الخلع {أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} ؛ أي: عدم إقامة حدود الله التي حدها للزوجين، وأوجب عليهما الوفاء بها من حسن العشرة والطاعة.
وقرأ حمزة: {إلا أن يُخافا} على البناء للمجهول فـ {أَلَّا يُقِيمَا} بدل اشتمال من الضمير فيه، والتقدير: إلا أن يخافا عدم إقامتهما حدود الله، وأصل الكلام على هذه القراءة إلا أن يخاف ولاة الأمور الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله، فالولاة فاعل، والرجل مفعول به، والمرأة معطوف عليه، و {أَلَّا يُقِيمَا} : بدل اشتمال من المفعول الذي هو الرجل والمرأة، فحذف الفاعل، وبني الفعل لما لم يسم فاعله، وأتى بدل المفعول به الظاهر بضمير التثنية، وبقي {أَلَّا يُقِيمَا} بدل اشتمال على حاله، لكن من الضمير الذي صار نائب الفاعل، فهذا التركيب على حد {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} تأمل.