وكان اليهود يعتقدون أن الحائض نجسة، وكل من مسها يكون نجسًا، إلى المساءِ، وكذلك يتنجس كل ما تلمسه أو تجلس عليه، أو تلبسه. فمن مس فراشها لا يطهر إلا بغسل ثيابه واستحمامه، ومع هذا يظل نجسًا إلى المساء. ومن ضاجعها ظل نجسًا سبعة أَيام.
وكان النصارى يتسامحون في أَمر المحيض.
والمعنى: ويسألك المؤمنون عن دم النساءِ الذي يأْتيهن شهريًا، عن الأحكام المترتبة على وجوده، قل لهم: هو أَذى، إذ هو ضَارٌّ بصحة الأجسام، وقذر تتأَذى منه النفوس.
وقد ثبت طبيًا: أن اتصال الرجل بالمرأة - أثناء الحيض - قد يترتب عليه ضرر المرأَة ذاتها كالتهاب المبيض، كما يترتب عليه ضرر الرجل، لوجود جراثيم ضارة في المهبل
أثناء الحيض، فتؤثر فيه وتصيب المثانة والحالبين. وقد تصل إلى البروستاتا والخصيتين والقناة البولية، وهكذا مما صان الله المسلم منه.
والتعبير بجملة {هُوَ أَذًى} بدلًا من هو مؤْذ، للمبالغة في إثبات أَذاه، حيث جعله ذات الأَذى.
{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} :
المقصود باعتزالهن في المحيض: هو تجنب الاتصال الجنسي بهن أثناءَ الحيض. أما غيره - كالقبلة واللمس ونحو ذلك - فمباح. وكرر لفظ {الْمَحِيضِ} ولم يكتف بضميره، لئلا يتوهم رجوعه إلى شيء سواه، اعتناءً بإبراز أَذاه.
{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} :
هذا تقرير لوجوب اعتزالهن. وليس إنشاء حكم جديد، فإن الأمر باعتزالهن، يلزمه النهي عن القرب منهن.
والمقصود من: القرب منهن: مباشرتهن في موضع الحيض، أي ولا تجامعوهن حتى يطهرن، فإذا طهرن، فلكم مجامعتهن.
والمقصود من طهرهن: انقطاع حيضهن عند أبي حنيفة، إذا كان الانقطاع لأكثر مدة الحيض، فإن كان لأَقل منها، لم يحل وطؤهن إلا بالاغتسال، أو مضى وقت صلاة بعد الانقطاع.
أما عند الشافعية: فطهرهن هو اغتسالهن بعد انقطاع الحيض. فلا يحل الوطءُ عندهم بانقطاع الدم وحده، لإطلاق الطهر في الآية، ولقراءة {يَطَّهَّرْنَ} بتشديد الطاء، مبالغة في الطهر.
{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} :
الأمر هنا ليس تكليفيًا، وإنما هو للإباحة.