{وَاسْمَعُوا} مواعظه {وَأَطِيعُوا} أوامره {وَأَنْفِقُوا} مما رزقكم في الوجوه التي أمركم بالإنفاق فيها خالصًا لوجهه. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن المراد إنفاق الزكاة، والظاهر العموم، وهو مندرح في الإطاعة. ولعل إفراده بالذِّكر لِما أن الاحتياج إليه كان أشد حينئذٍ، وأن المال شقيق الروح ومحبوب النفس، ومن ذلك قدم الأموال على الأولاد في جميع المواضع. وقال مقاتل: {وَاسْمَعُوا} ؛ أي: أصغوا إلى ما ينزل عليكم. {وَأَطِيعُوا} لرسوله فيما يأمركم وينهاكم. وقيل: معنى {أسمعوا} اقبلوا ما تسمعون؛ لأنه لا فائدة في مجرد السماع. {وَأَنْفِقُوا} من أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير ولا تبخلوا بها. {خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ} خبر لـ {يكن} المقدر جوابًا للأوامر المذكورة؛ أي: يكن ما ذُكر من السمع والطاعة، والإنفاق خيرًا لأنفسكم. أو مفعول لفعل محذوف؛ أي: ائتوا وافعلوا خيرًا لأنفسكم واقصدوا ما هو أنفع لها. وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر، وبيان لكون الأمور المذكورة خيرًا لأنفسهم من الأموال والأولاد، وما هم عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا.
والمعنى: {وَاسْمَعُوا ...} إلخ؛ أي: كونوا منقادين لما يأمركم الله ورسوله به، ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، ولا ترتكبوا ما نهيتم عنه، وابذلوا مما رزقكم الله على الفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وفي الوجوه التي يكون فيها صلاح الأمة والملة وسعادة الدين والدنيا، يكن ذلك خيرًا لأنفسكم من الأموال والأولاد. وهذا حث على البذل، وبيان أن الامتثال خير لا محالة.
ثم زاد في الحث على الإنفاف، فقال: {وَمَن يُوقَ} ويعصم {شُحَّ نَفْسِهِ} ؛ أي: بُخْلَ نفسه عن الإنفاق؛ أي: ومن يقه الله سبحانه ويعصمه من بخل نفسه الذي هو الرذيلة المعجونة في طينة النفس. وهو مضارع مجهول مجزوم الآخر بـ {من} الشرطية من الوقاية المتعدية إلى مفعولين. و {شُحَّ} مفعول ثان له باق على النصب والأول: الضمير القائم مقام الفاعل. {فَأُولَئِكَ} الموقون شح النفس {هُمُ} لا غيرهم {الْمُفْلِحُونَ} ؛ أي: الفائزون بكل خير.