وروى مسلم، والنسائي عن عبد الله بن عكيم قال: كنَّا عند حذيفة رضي الله تعالى عنه بالمدائن، فاستسقى دهِقاناً، فجاءه بماء في إناء من فضة، فحذفه به حذيفة - وكان رجلًا فيه حدة - فكرهوا أن يكلموه، ثمَّ التفت إلى القوم، فقال: أعتذر إليكم من هذا؛ إني كنت تقدّمت إليه أن لا يسقيني في هذا، ثمَّ قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فينا فقال:"لا تَشْرَبُوا في آنِية الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وَلا تَلْبَسُوا الدِّيْباجَ والْحَرِيْرَ؛ فَإِنَّها لَهُمْ في الدُّنْيا"
وَلَكُمْ في الآخِرَةِ"."
والدهقان - بكسر الدال على المشهور، وحكي ضمها - أعجمي معرب، وهو زعيم فلَّاحي العجم.
15 -ومنها: كثرة التنعم والترفه، والمظاهرة في اللباس والطعام.
قال البغوي في"شرح السنة": رُويَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كثير من الإرفاه.
قيل: معناه: الترجل كل يوم.
وأصل الإرفاه من الرفه؛ وهي أن ترد الإبل كل يوم، ومنه أخذت الرفاهية، وهي الخصب والدعة.
قال: وكره النبي - صلى الله عليه وسلم - الإفراط في التنعم من التدهن والترجل.
وفي معناه: مظاهرة اللباس والطعام على الطعام على ما هو عادة الأعاجم، وأمرنا بالقصد في جميع ذلك.
وقال في باب استحباب أن يُرى أثر نعمة الله على الرجل في قوله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ يُحبُّ أَنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبدِهِ": في هذا تحسين الثياب بالتنظيف والتجديد عند الإمكان من غير أن يبالغ في النعامة والدقة،
ومظاهرة الملبس على الملبس على ما هو عادة العجم؛ فقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عن كثير من الإرفاه، انتهى.
وفي كلامه إشارة إلى أنَّه لا تعارض بين الحديثين؛ فإنَّ أحدهما في الإرشاد إلى النظافة، وإظهار نعمة الله تعالى على العبد من غير تقتير على نفسه، ومن غير ارتكاب الوسخ والشعوثة، والبِذلة بخلًا وتقذرًا، والثاني في المبالغة في التنعم، ومظاهرة الملبس والطعام على الطعام إسرافاً ومَخِيلة كما هو عادة الأعاجم والأروام، وأكثر أهل زماننا أخذوا مأخذهم وسلكوا مسالكهم، فركبوا من ذلك كل صعب وذلول.
وقلت في هذا المعنى: من الرّمل]