وروى البيهقي في"الشعب"عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفًا، وصححه، ورواه هو وأبو نعيم عنه مرفوعًا، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَى حبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْها، وَبُغْضِ مَنْ أَساءَ إِلَيْها".
وتارة يكون ميل النفس إلى المحبوب لمجرد التجانس النفساني الذي هو بين روحيهما، أو لمجرد ميل الطباع إلى المحبوب وقضاء الوطر.
وهذا الميل إن كان إلى من يبيحه الشرع أو ما يبيحه، ولم يفرط فيه كان مقبولاً ممدوحاً، وهو المحبة المحمودة كمحبة الأنبياء عليهم السلام، والعلماء رحمهم الله تعالى لحلائلهم.
وإن كان إلى ما لا يبيحه الشرع كالأجنبية والأمرد إن كان مع الإفراط فيه كان مذموماً مردوداً، وهذا هو العشق المذموم، وأكثر ما يحصل للفارغين والبطَّالين من تكرار النظر وجَوَلان الفكر.
وقد اصطلح أكثر الناس على إطلاق العشق على ما كان مذمومًا، والحب على ما كان محموداً؛ وإن كان في الأصل كل منهما عبارة عن الميل.
وعليه قال الشيخ الوالد رحمه الله تعالى في كتاب"فصل الخطاب": من الرجز
والْعِشْقُ داءٌ عارِضٌ نَفْسانِي ... أَكْثَرُهُ مُسْتَخْبَثٌ شَيْطانِي
يَحْدُثُ لِلْحَمْقَى وَلِلْجُهَّالِ ... وَكُلِّ مُتْرَفٍ خَلِيِّ الْبالِ
مِنْ سَرَيانِ الْفِكْرِ في شَمائِلِ ... ذاتٍ بِتَسْلِيطِ خَيالٍ باطِل
والْعِشْقُ مِقْدارٌ عَنِ الْحُبِّ فَضَلْ ... يُخَبِّلُ الْعَقْلَ وَرُبَّما قَتَلْ
والْحُبُّ مَحْمودٌ شِعارُ الأَنْبياءْ ... والْعُلَما والْعُقَلا والأَصْفِياءْ
ثمَّ اعلم أنَّ الميل إلى الصورة الحسنة طباع كل إنسان عربياً كان أو أعجمياً، غير أن العرب والعجم افترقا فيه، فغلب على العرب الميل إلى الإناث، وعلى العجم الميل إلى المذكور، والعرب في ذلك أقرب إلى الصواب من العجم لأنَّ الأنثى يمكن التوصل إليها بالنكاح مهما دعا عشقها إلى مواقعتها، بخلاف الذكر؛ فإنه لم تأذن شريعة قط في الاستمتاع به، ولذلك قال جماعة من العلماء: إن اللواط أفحش من الزنا.
ولا ريب أن من العشق ما ليس له دواء إلا النكاح، وهذا لا سبيل إليه في المذكور بوجه.